الحرب الأمريكية الإيرانية ومخاطر خنق اقتصاد الخليج

هل تتحول الحرب الأمريكية الإيرانية إلى حرب للسيطرة على المضائق وخنق الاقتصاد الخليجي؟

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع

الدوحة – 10 أكتوبر 2026

لم تعد الحرب الأمريكية الإيرانية مجرد مواجهة عسكرية بشأن البرنامج النووي الإيراني أو القدرات الصاروخية لطهران. لقد تجاوزت ساحات القتال لتصبح أزمة اقتصادية وجغرافية تضرب دول الخليج في أهم مواردها، بينما تتفاوض القوى المتحاربة على مصير الطرق التي تقوم عليها الاقتصادات الخليجية.

في تحليل نشره موقع «جلوبال إيكونومي» في مارس 2026، طرح اللواء المصري أحمد وصفي رؤية مفادها أن الصراع قد يتجاوز المواجهة مع إيران إلى التنافس على المضائق والممرات البحرية، ولا سيما في ظل المنافسة الأمريكية الصينية. والسؤال الذي أثاره يستحق التأمل: هل أصبحت القدرة على تعطيل التجارة الدولية وسيلة للهيمنة لا تقل خطورة عن احتلال الأراضي؟

من يملك القدرة على إغلاق طريق التجارة، أو إبقائه مفتوحًا بشروط أمنية مكلفة، يستطيع الضغط على الدول دون السيطرة على أراضيها. وهذا جوهر أزمة هرمز؛ فالمضيق ليس ممرًا إيرانيًا أمريكيًا، بل شريان تمر عبره مصالح الخليج وآسيا والعالم، ومن الخطأ أن يصبح موضوع مساومة ثنائية لا يكون أصحاب المصالح الخليجية طرفًا حاسمًا فيها.

وفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، مر عبر هرمز في النصف الأول من عام 2025 نحو 20.9 مليون برميل يوميًا من النفط والمشتقات، وهو ما يعادل قرابة خُمس الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، فضلًا عن أكثر من خُمس التجارة العالمية للغاز الطبيعي المسال. وتتجه الحصة الأكبر من النفط العابر إلى آسيا، وفي مقدمتها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية. لذلك فإن اضطرابه يضغط على الاقتصادات المستوردة، لكنه يصيب المنتجين الخليجيين في قدرتهم على الوفاء بالعقود وإيصال صادراتهم إلى الأسواق.

المشكلة أن الولايات المتحدة، الحليف الأمني الرئيسي لعدد من دول الخليج، أصبحت طرفًا مباشرًا في حرب ساهمت في تحويل هذا الممر الحيوي إلى ساحة خطرة. أما إيران فتستخدم التهديدات والهجمات البحرية وسيلة ضغط في مواجهتها مع واشنطن. ولا يجوز إعفاء أي طرف من مسؤولية القرارات التي جعلت الملاحة رهينة للتصعيد؛ فإدانة الاعتداء على السفن لا تمنع مساءلة السياسات التي وسعت الحرب وأطالتها.

وتزداد المفارقة حين ننظر إلى أسواق الطاقة. فالولايات المتحدة لم تعد تعتمد على نفط الخليج كما كانت سابقًا، وهي اليوم من كبار مصدري الغاز الطبيعي المسال ومنافس مباشر لقطر. وهذه ليست حجة كافية لإثبات أن واشنطن افتعلت تعطيل هرمز بهدف السيطرة على الأسواق، لكنها مصلحة اقتصادية لا يصح تجاهلها عند تقييم نتائج الحرب.

وتكشف الأرقام حجم الاختلال. فقد نقلت رويترز في أغسطس 2026 أن صادرات قطر من الغاز المسال انخفضت بنحو 96% خلال الأشهر الستة الأولى من الحرب، مقارنة بالفترة المماثلة، مع خسارة مبيعات قُدرت بنحو 24 مليار دولار. وفي الوقت ذاته، ساعدت الصادرات الأمريكية في تعويض جانب من النقص العالمي. وهذه خسائر لا تقتصر على الإيرادات؛ فهي تهدد حصص السوق، والثقة في انتظام التوريد، والعلاقات الطويلة مع المشترين. والضرر الأكبر أن الزبون الذي يخشى انقطاع الإمدادات قد يسعى إلى تنويع مشترياته حتى بعد انتهاء الأزمة. ومن هنا تنشأ مفارقة مؤلمة: قد تجد الدولة المنتجة نفسها مضطرة إلى شراء الغاز من منافسيها لتغطية التزامات تعاقدية، بينما تعجز عن شحن الغاز الذي تملكه من منشآتها. ويصبح المنتج الخليجي في هذه الحالة ممولًا غير مباشر لمبيعات منافسه، مع تحمله أعباء الفروق السعرية والنقل والتعويضات المحتملة، بحسب شروط العقود.

والأزمة ليست إغلاقًا تامًا أو فتحًا تامًا للمضيق. فقد استمرت سفن في العبور، لكن المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف التأمين والنقل جعلا التجارة أكثر هشاشة. وفي السابع من أكتوبر، أفادت رويترز بتسجيل ما لا يقل عن اثنتي عشرة واقعة شملت هجمات ومحاولات هجوم ومضايقات للسفن خلال أسبوع قرب هرمز. ويكفي هذا المستوى من التهديد لجعل المستثمر والمشتري والناقل يعيدون حساباتهم، حتى إن استمرت بعض الشحنات في الوصول. لا تُغلق البوابة نهائيًا، بل يُترك فتحها وإغلاقها ودرجة الأمان حولها عرضة للتقلب، فتتعطل حسابات المصانع والبنوك وشركات الشحن. وحين يصعب تحديد موعد وصول الشحنة، تصبح الطاقة المتاحة فعليًا أقل قيمة من الطاقة التي تصل بانتظام. ولذلك لا تُقاس خسائر هرمز بعدد الناقلات المتضررة فقط، بل بالعقود المؤجلة وفرص الاستثمار التي تتجه إلى أماكن أكثر استقرارًا.

ولا يواجه الخليج تهديدًا من الشرق وحده. ففي باب المندب والبحر الأحمر تتكرر المخاطر المرتبطة بالحوثيين، فتتضرر أيضًا البدائل التي يُفترض أن تخفف الاعتماد على هرمز. وهكذا يبدو الاقتصاد الخليجي محاصرًا بين ممرين مهددين، بينما تتحول حماية حركة الطاقة إلى ملف عسكري تمسك بأطرافه قوى لا تتحمل وحدها الخسائر الناتجة عنه.

بالنسبة إلى قطر، كشفت الحرب نقطة ضعف: امتلاك احتياطيات الغاز ومصانع التسييل المتطورة لا يكفي إن بقي طريق التصدير البحري معرضًا للتعطيل. وقد بينت الأضرار التي لحقت بمنشآت الطاقة أن الخطر يشمل الإنتاج والنقل معًا. لذلك يجب إعادة دراسة البدائل على أساس تكلفة الانقطاع الطويل، لا تكلفة الإنشاء وحدها، ومن دون إنكار الصعوبات الهندسية والتجارية الضخمة لنقل الغاز بالأنابيب إلى منافذ أخرى ثم تسييله هناك.

وقد أنشأت السعودية والإمارات خطوطًا تسمح بتصدير جزء من النفط بعيدًا عن هرمز، لكن طاقتها محدودة، وهي لا تحل تلقائيًا مشكلة الغاز القطري. والمطلوب دراسة خليجية مشتركة تتناول خطوط الأنابيب، والموانئ الواقعة خارج مناطق الخطر، وسعات التخزين، وربط شبكات الطاقة، وتكاليف التأمين، ومدى جدوى نقل كميات من الغاز المضغوط أو المسال بوسائل أخرى. ليس كل مقترح قابلًا للتنفيذ، لكن غياب البديل قد يكون أغلى من دراسة الخيارات بجدية. وأفضل بداية هي اتفاقية خليجية موحدة لعبور الأنابيب وتخصيص الأراضي وتبادل الطاقة والتعامل مع الطوارئ، بدل تفاوض كل دولة منفردة على كل مقطع من المسار. ويجب أن تتضمن الدراسة مقارنة شفافة بين كلفة المشروعات وكلفة توقف الصادرات لأسابيع أو أشهر، مع إدخال مخاطر التخريب والحروب في الحسابات. فالهدف ليس بناء أنبوب لمجرد وجوده، بل إنشاء شبكة تخفف الاختناق دون أن تستبدل نقطة ضعف واحدة بأخرى.

ولا تعني حماية المصالح الخليجية الدخول في خصومة مع الولايات المتحدة، كما لا تعني تجاهل مسؤولية إيران عن تهديد الملاحة. بل تعني التعامل مع الحلفاء والشركاء من موقع المصالح المتبادلة؛ فلا يُقبل أن تدفع دول الخليج فاتورة حرب لا تستطيع التأثير في مسارها، ثم تُترك خارج ترتيبات إنهائها. ويجب أن يكون لها صوت مؤثر في أي تفاهم يتناول هرمز، مع استخدام ثقلها الاستثماري والتجاري للدفاع عن حرية مرور صادراتها. ومن حق دول الخليج أيضًا أن تطلب من شركائها ضمانات عملية لا وعودًا عامة، وأن تربط المشاورات الأمنية بخطط واضحة لحماية المنشآت والشحن والتأمين وإدارة الأزمات. فالمشاركة في تحالفات دفاعية لا ينبغي أن تعني التخلي عن الحق في الاعتراض على قرارات عسكرية تنقل الأخطار إلى الموانئ والمدن الخليجية. والتحالف الذي لا يسمع صوت المتضرر يحتاج إلى مراجعة أدواته وآليات اتخاذ القرار، لا إلى شعارات جديدة.

لقد بنت دول الخليج خلال عقود صناعة طاقة عالمية، لكنها لم توفر بالقدر نفسه الضمانات والطرق البديلة التي تحمي وصول هذه الطاقة إلى الأسواق عند اندلاع الحروب. واليوم لا يكفي انتظار إعلان التهدئة أو فتح المضيق مؤقتًا؛ لأن من استطاع تعطيله مرة قد يعاود استخدامه أداة ضغط مجددًا.

إن السؤال ليس متى تنتهي الحرب الأمريكية الإيرانية فحسب، وإنما ماذا ستفعل دول الخليج حتى لا يصبح اقتصادها رهينة لكل حرب مقبلة. فالثروة التي لا تستطيع الوصول بحرية إلى زبائنها تفقد جانبًا من قوتها، والسيادة الاقتصادية لا تكتمل بامتلاك النفط والغاز، بل بامتلاك القدرة على تصديرهما دون استئذان المتحاربين.

المصادر والمراجع: الأمم المتحدة، ميثاق الأمم المتحدة؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟