من حواسيب الكويت إلى كابلات الخليج- اقتصاد الدمار

من حواسيب الكويت المحطمة إلى كابلات الخليج: المكاسب الأمريكية المحتملة من الدمار

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع

الدوحة – 22 أكتوبر 2026

بعد تحرير الكويت وانسحاب الجيش العراقي منها عام 1991، كنت أملك شركة Gulf Information System، وكان مقر مكتبها في عمارة البنك التجاري بشارع حمد في الدوحة. وكنت في ذلك الوقت الممثل الإقليمي لشركة IDC الأمريكية، المتخصصة في بحوث أسواق الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات، في منطقة الخليج.

ومن خلال هذه الصفة، كلفتني شركة IDC بإجراء مسح ميداني شامل لسوق الكمبيوتر الكويتي، لتقدير حجم الأضرار التي لحقت بالأجهزة والأنظمة الإلكترونية خلال الاحتلال العراقي، وتحديد حجم الطلب المتوقع على أجهزة الكمبيوتر في مرحلة إعادة الإعمار.

باشرت الدراسة بزيارة الوزارات والدوائر الحكومية والمؤسسات التي تعرضت أجهزتها للتدمير، وأجريت مقابلات مع المسؤولين والمهندسين لتقييم الخسائر والاحتياجات المستقبلية.

وخلال إحدى المقابلات، أخبرني أحد المهندسين بمعلومة أثارت دهشتي، واحتفظت بها في ذاكرتي طوال هذه السنوات. قال إن أحد كبار وكلاء الكمبيوتر وأكثرهم سيطرة على السوق الكويتية دفع رشاوى لجنود عراقيين مقابل تحطيم أجهزة الكمبيوتر الموجودة في بعض الدوائر الحكومية.

سألته عن مصلحة التاجر في تدمير أجهزة سبق أن باعها، فأجاب بأن تحرير الكويت سيعقبه برنامج واسع لإعادة تجهيز المؤسسات الحكومية، وأن الوكيل المسيطر على السوق سيحصل على عقود توريد الأجهزة البديلة، ويجني ملايين الدنانير من عملية إعادة الإعمار.

لم أكن أملك دليلاً مستقلاً يثبت صحة هذه الرواية، لكنها كشفت أمامي منطقاً اقتصادياً يستحق التأمل: قد يمثل تدمير الأصول القائمة فرصة تجارية استثنائية لمن يمتلك القدرة على توفير البديل والسيطرة على سوق إعادة البناء.

تذكرت هذه الواقعة اليوم مع تصاعد التهديدات التي تستهدف الكابلات البحرية للاتصالات والإنترنت في مياه الخليج، وبدأت أنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة، تتعلق بالمكاسب التي يمكن أن تجنيها الولايات المتحدة إذا تعرضت هذه البنية التحتية للتدمير أو التعطيل.

لقد استثمرت دول الخليج مليارات الدولارات في بناء اقتصاد رقمي يعتمد على مراكز البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والخدمات المالية الإلكترونية. ولم تعد الكابلات البحرية مجرد وسيلة للاتصال، بل أصبحت جزءاً أساسياً من البنية الإنتاجية للاقتصاد الحديث.

أولى المكاسب الأمريكية المحتملة تتمثل في خلق طلب اضطراري ضخم على التكنولوجيا. فالدول التي تتعرض شبكاتها للتعطيل ستحتاج إلى إعادة بناء الاتصالات وشراء المعدات والبرمجيات وأنظمة الحماية، وإقامة مراكز بيانات احتياطية. وستتحول الأموال التي كان مقرراً استثمارها في التوسع الاقتصادي إلى إنفاق عاجل لإعادة الخدمات إلى مستوياتها السابقة.

وهنا تبرز الشركات الأمريكية التي تمتلك التكنولوجيا والخبرة والقدرة على تنفيذ المشاريع الكبرى. فشركات مثل SubCom الأمريكية، المتخصصة في صناعة وتركيب الكابلات البحرية، تستطيع المنافسة على عقود إعادة البناء والتوسع في المسارات البديلة.

أما المكسب الثاني، وهو الأهم على المدى الطويل، فيتمثل في تحويل جزء من الاستثمارات الخليجية إلى الولايات المتحدة.

فالمستثمر الذي كان يستعد لإنشاء مركز بيانات في الخليج قد يعيد حساباته إذا أصبحت الاتصالات الدولية عرضة للتوقف. وقد يفضل إنشاء المشروع داخل أمريكا، أو شراء خدمات الحوسبة من مراكز أمريكية قائمة، بدلاً من تحمل مخاطر تشغيل منشأة في منطقة مضطربة.

وبذلك لا تقتصر الخسارة الخليجية على تكلفة إصلاح الكابلات، بل تمتد إلى فقدان فرص استثمارية ووظائف وصناعات مستقبلية.

والمكسب الثالث هو تعزيز موقع الشركات الأمريكية في سوق الحوسبة السحابية. فالشركات والمؤسسات الخليجية التي تحتاج إلى ضمان استمرار أعمالها قد تزيد اعتمادها على خدمات مايكروسوفت وأمازون وغوغل، وتشتري قدرات إضافية لتخزين البيانات وتشغيل التطبيقات خارج الخليج.

أما المكسب الرابع فيرتبط بإبطاء تحول الخليج إلى منافس عالمي في الذكاء الاصطناعي. فالمنطقة تمتلك الطاقة ورؤوس الأموال والمساحات اللازمة لبناء مراكز حوسبة ضخمة. وهذه المزايا تسمح لها بتقديم خدمات رقمية عالمية، وليس مجرد استهلاك التكنولوجيا الأجنبية.

لكن هذه المشاريع تحتاج إلى اتصال دولي مستقر وواسع السعة. وإذا تراجعت الثقة في الشبكات الخليجية، فإن جانباً من الاستثمارات والخدمات المرتبطة بها قد ينتقل إلى المراكز الأمريكية.

والمكسب الخامس يتمثل في النفوذ الاقتصادي والتقني. فالدولة التي تعتمد على شركات أجنبية لحماية بياناتها وتشغيل خدماتها الأساسية تصبح أكثر ارتباطاً بتلك الشركات، وبشروط الترخيص والتحديث والصيانة وتوفير التقنيات المتقدمة.

وهكذا يمكن أن يتحول التعطيل المؤقت للكابلات إلى علاقة اعتماد تجاري وتكنولوجي طويلة الأجل.

هناك أيضاً مكسب غير مباشر يتعلق بتوزيع رؤوس الأموال. فكل ارتفاع في مخاطر الاستثمار الرقمي داخل الخليج قد يدفع جزءاً من الأموال الخليجية إلى شراء الأصول التقنية الأمريكية أو تمويل المشاريع القائمة هناك، بدلاً من تأسيس مشروعات وطنية جديدة.

ولا يعني هذا التحليل أن الولايات المتحدة قررت تدمير الكابلات أو أنها تقف وراء أي اعتداء عليها، فلا توجد أدلة موثوقة تسمح بمثل هذا الاستنتاج. لكن دراسة المستفيد الاقتصادي المحتمل من الأزمة تظل مسألة مشروعة، تختلف عن إثبات المسؤولية عن وقوعها.

أعود هنا إلى الواقعة التي سمعتها في الكويت قبل خمسة وثلاثين عاماً.

كان المهندس يتحدث عن تاجر قد يربح ملايين الدنانير من استبدال أجهزة الكمبيوتر المحطمة. أما اليوم فنحن نتحدث عن بنية تحتية رقمية ترتبط باستثمارات بمليارات الدولارات، وعن أسواق جديدة لإعادة البناء والحماية والتخزين والحوسبة.

لقد تغير حجم السوق والتكنولوجيا، لكن المنطق الاقتصادي الذي أثار انتباهي في الكويت ما زال يستحق الدراسة.

فالدمار لا يولد الخسائر وحدها، بل يخلق طلباً جديداً ويعيد توزيع الأموال والأسواق بين من فقد أصوله ومن يملك البديل.

وقد تكون الخسارة الخليجية الكبرى ليست في الكابلات التي ستُصلح أو تُستبدل، وإنما في انتقال جانب من مستقبل الاقتصاد الرقمي الخليجي إلى خارج المنطقة، بعد أن أنفقت دول الخليج مليارات الدولارات لبنائه على أراضيها.

وهنا تكمن المصلحة الأمريكية المحتملة: ليس فقط في بيع المعدات التي تحل محل ما دُمّر، وإنما في استقطاب الاستثمارات والبيانات والمشاريع التي كان يفترض أن تصنع مستقبل الاقتصاد الخليجي.

المصادر والمراجع: الأونكتاد، مراجعة النقل البحري 2025؛ قاعدة الأمم المتحدة للتجارة الدولية UN Comtrade.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟