تجنيس الرياضيين- هل نستورد الفقر أم المنتخب
هل نستورد الفقر أم نستورد المنتخب؟
تحليل نقدي – إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة – 5 يوليو 2026
يقال إن كرة القدم ابنة الفقر، وإن أعظم اللاعبين خرجوا من الأزقة، ومن الملاعب الترابية، ومن البيوت الضيقة، ومن الأحلام الكبيرة التي لا تجد أمامها إلا الكرة طريقًا للنجاة.
فإذا كان الأمر كذلك، فهل أخطأنا الطريق في قطر؟
بدل أن نستورد اللاعبين، ربما كان علينا أن نستورد الفقر نفسه، ونوطنه، ونمنحه إقامة دائمة، ونبني له أكاديمية، ونؤسس له دوريًا محليًا، ثم ننتظر منه أن ينجب لنا ميسي جديدًا أو مبابي خليجيًا.
هذه هي السخرية القاسية في الموضوع.
لقد ظن البعض أن المنتخب يمكن أن يُصنع كما تُصنع المشاريع الجاهزة: عقد، ميزانية، جنسية رياضية، لاعب مستورد، ثم نشيد وطني قبل المباراة. لكن كرة القدم لا تعمل بهذه البساطة. اللاعب لا يصبح ابن البيئة بمجرد أن يلبس القميص، ولا تتحول الجماهير إلى ذاكرة وطنية بمجرد إعلان التشكيلة.
الفقر في كرة القدم لم يكن يومًا وصفة رسمية للنجاح، لكنه كان مدرسة قاسية أنتجت لاعبين لديهم جوع حقيقي للانتصار. جوع لا تصنعه العقود، ولا الفنادق، ولا المعسكرات الفاخرة. جوع يأتي من الإحساس بأن الكرة ليست مهنة فقط، بل باب نجاة للأسرة كلها.
أما حين نستورد لاعبًا جاهزًا، فنحن لا نستورد قصته، ولا طفولته، ولا حارته، ولا ذاكرته، ولا دموع أبيه في المدرج. نحن نستورد قدمًا ماهرة، لا روحًا وطنية متجذرة.
وهنا يظهر السؤال الساخر: هل المشكلة أن قطر لا تملك فقراء يكفون لصناعة منتخب؟ أم أن المشكلة أن مشروع كرة القدم لم يُبنَ من القاعدة الاجتماعية، من المدرسة، والحي، والنادي، والطفل المواطن، والمقيم الذي عاش في البلد واندمج فيه طبيعيًا؟
المنتخب الوطني ليس شركة مقاولات تُنجز بالاستيراد السريع. المنتخب ذاكرة، وانتماء، وتراكم، وفشل طويل قبل النجاح. هو طفل يبدأ من ملعب المدرسة، ثم النادي، ثم المنتخب الصغير، ثم يجد نفسه يومًا يحمل قميص وطن يعرفه ويعرفه الناس.
أما سياسة تجميع اللاعبين من الخارج فهي تشبه شراء شجرة كبيرة ومحاولة إقناع الناس أنها نبتت في حديقة البيت. قد تعطي ظلًا مؤقتًا، لكنها لا تعطي جذورًا.
السخرية أن الدول التي خرج منها نجوم الفقر لم تكن تحتفل بالفقر نفسه، بل كانت تستفيد من كثافة المجتمع، ومن الشغف الشعبي، ومن أن الكرة جزء من حياة الناس اليومية. أما نحن فأردنا النتيجة من دون الطريق، واللاعب من دون البيئة، والمنتخب من دون المجتمع.
ليس المطلوب أن نصنع فقرًا حتى نصنع لاعبين. فهذا تفكير عبثي. المطلوب أن نصنع شغفًا، وعدالة في الفرص، وملاعب أحياء، ومدارس رياضية، ومنافسة حقيقية، وأن نفتح الطريق أمام الطفل الذي يعيش في قطر، ويتعلم في قطر، ويكبر في قطر، ويعرف معنى هذا القميص قبل أن يلبسه.
المنتخب لا يُستورد. المنتخب يُزرع.
ومن يزرع المال وحده، قد يحصد فريقًا مؤقتًا. أما من يزرع الانتماء، والصبر، والتدريب، والفرصة، فإنه يحصد منتخبًا يعيش في ذاكرة الناس.
لذلك، لا نحتاج إلى استيراد الفقر، ولا إلى استيراد اللاعبين كحل دائم. نحتاج فقط إلى الاعتراف بأن كرة القدم ليست صفقة، بل مجتمع كامل يركض خلف كرة، وحين يكبر هذا المجتمع مع اللعبة، يولد المنتخب الحقيقي.
المصادر والمراجع: الاتحاد الدولي لكرة القدم FIFA، الأنظمة واللوائح؛ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقارير التنمية البشرية.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment