هرمز والتضخم العالمي وإعادة تشكيل الاقتصاد

هرمز: مفتاح التضخم العالمي وإعادة تشكيل الاقتصاد

وكيف يفكر دونالد ترامب بتكبير الاقتصاد لتخفيف عبء الدين العام

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – محلل اقتصاد وتسويق

الدوحة – 24 أبريل 2026

في عمق الكساد العظيم، لم تكن المشكلة في الدين بحد ذاته، بل في اقتصاد عاجز عن حمله. حينها أعاد فرانكلين روزفلت تعريف دور الدولة عبر New Deal، فاختار طريقًا مختلفًا: بدل مطاردة الدين، تم توسيع الاقتصاد حتى تراجع وزنه. هذه القاعدة البسيطة أصبحت لاحقًا أحد أهم مفاتيح إدارة الأزمات الاقتصادية.

اليوم، تنتقل الأزمات من الداخل إلى الجغرافيا، حيث أصبح مضيق هرمز نقطة تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي. أي توتر فيه لا يرفع أسعار الطاقة فقط، بل ينتقل سريعًا إلى تكاليف النقل والإنتاج، ثم إلى المستهلك، ليولد تضخمًا عالميًا يبدأ من الممرات البحرية وينتهي في الأسواق.

هذا التضخم لا يبقى ظاهرة مالية، بل يتحول إلى ضغط سياسي يدفع الحكومات للتدخل، لتعود فكرة “الدولة المحركة للاقتصاد” ولكن بصيغة حديثة. لم يعد التدخل يعني التوظيف المباشر كما في الثلاثينيات، بل أصبح يعني إعادة توجيه السيولة، ودعم القطاعات الاستراتيجية، وبناء سلاسل إمداد أكثر أمانًا.

في هذا السياق، يمكن فهم طريقة تفكير دونالد ترامب تجاه الدين العام. فهو لا ينظر إليه كرقم يجب تخفيضه مباشرة، بل كعبء يمكن تخفيفه عبر تكبير الاقتصاد. فالدين يُقاس بنسبة إلى الناتج، وإذا نما الاقتصاد أسرع، انخفضت هذه النسبة حتى لو زاد الدين نفسه. بهذه الطريقة، يتحول النمو إلى أداة مالية، لا مجرد هدف اقتصادي.

ولتقريب الفكرة: اقتصاد حجمه 200 ودين 100 يعني نسبة 50%، لكن إذا أصبح الاقتصاد 400 والدين 120، تنخفض النسبة إلى 30%. الدين زاد، لكن عبئه تقلص. هذه هي الفلسفة التي تربط بين الماضي والحاضر، بين New Deal ونسختها الحديثة.

الأداة التي تساعد على ذلك هي خفض الفائدة عبر الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، لأن الفائدة المنخفضة تدفع الأموال للخروج من البنوك نحو الاستثمار والمشاريع. هنا يتحول المال من حالة السكون إلى الحركة، ويبدأ الاقتصاد في النمو، فتخف حدة الدين تدريجيًا.

ما يحدث في هرمز يسرّع هذه العملية بشكل غير مباشر، لأنه يخلق تضخمًا يضغط على السياسات النقدية، ويعيد توزيع السيولة عالميًا. وهنا يلتقي عاملان: جغرافيا ترفع الأسعار، وسياسات تدفع الأموال للحركة، لينتج عن ذلك إعادة تشكيل في الاقتصاد العالمي.

ومن زاوية خليجية، فإن المنطقة تقف في قلب هذه المعادلة. فهي تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، لكنها تتحمل مخاطر الممر نفسه. هذه المعادلة تفرض تحولًا حقيقيًا: من اقتصاد يعتمد على تصدير الطاقة، إلى اقتصاد يبني حولها قيمة مضافة وصناعة واستدامة.

كما أن البنوك الخليجية لن تبقى بمعزل عن هذه التحولات، حيث ستتحرك السيولة تدريجيًا من الودائع إلى أدوات التمويل والاستثمار. وهذا يتطلب إعادة توجيه التمويل نحو المشاريع الإنتاجية، بدل التركيز على الاستهلاك والعقار فقط.

تحذير استراتيجي: ليس الحصار… بل ما دونه هو الخطر الحقيقي

في قراءة ما يحدث حول مضيق هرمز، قد يبدو أن الخطر الأكبر هو الإغلاق الكامل، لكنه سيناريو مكلف لا يدوم. الخطر الحقيقي هو التوتر منخفض الحدة، الذي لا يغلق الممر، لكنه يرفع تكاليف التأمين والشحن والطاقة بشكل مستمر. هذا النوع من الضغط لا يصنع أزمة لحظية، بل يخلق تضخمًا تدريجيًا يعيد تشكيل الاقتصاد العالمي ببطء، ويدفع السياسات إلى مسارات جديدة.

في النهاية، لم يعد هرمز مجرد ممر، بل عامل يعيد صياغة الاقتصاد العالمي. ومع هذا التحول، تصبح القاعدة الواضحة لدول الخليج:

> لا تكتفِ بإدارة الإيرادات… بل كبّر اقتصادك ليصغر دينك، وتتحول الأزمات إلى فرص.

المصادر والمراجع: صندوق النقد الدولي، آفاق الاقتصاد العالمي؛ صندوق النقد الدولي، آفاق اقتصاد الشرق الأوسط وآسيا الوسطى (أبريل 2026).

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟