المشروع الإيراني بين التراجع وإعادة التشكل- لماذا لا تُحسم الصراعات الاستراتيجية بضربة واحدة
المشروع الإيراني بين التراجع وإعادة التشكل: لماذا لا تُحسم الصراعات الاستراتيجية بضربة واحدة؟
تحليل سياسي
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – 8 يوليو 2026
بعد كل حرب كبرى، يعتقد كثيرون أن ضربة عسكرية واحدة أو اغتيال عدد من القادة أو انهيار أحد الحلفاء يعني نهاية المشروع الاستراتيجي لدولة بأكملها. لكن التاريخ يقدم درسًا مختلفًا؛ فالمشاريع الجيوسياسية لا تنهار عادة بقرار واحد، بل تدخل مرحلة جديدة من التكيف وإعادة البناء.
وينطبق ذلك على المشروع الإيراني. فقد تعرض خلال الأعوام الأخيرة لضغوط عسكرية واقتصادية وسياسية غير مسبوقة، إلا أن معظم مراكز الدراسات الاستراتيجية الغربية لا ترى أن إيران خرجت من معادلة الشرق الأوسط، بل ترى أن الصراع انتقل إلى مرحلة جديدة عنوانها إعادة توزيع النفوذ أكثر من كونه نهاية لهذا المشروع.
لقد تكبدت إيران خسائر كبيرة في بعض أدوات نفوذها الإقليمية، وتعرضت منشآت عسكرية وأمنية لضربات مؤلمة، وواجه اقتصادها عقوبات طويلة الأمد أضعفت قدرته على تمويل سياساته الخارجية. كما تقلصت حرية حركة بعض حلفائها مقارنة بما كانت عليه في السنوات السابقة.
ومع ذلك، فإن هذه التطورات لا تعني انتهاء المشروع الإيراني. فما زالت إيران دولة مركزية تمتلك مؤسسات سياسية وعسكرية قائمة، وقدرات صاروخية متقدمة، وخبرة طويلة في إدارة الصراعات غير المباشرة، إضافة إلى موقع جغرافي يمنحها أهمية استراتيجية في الخليج ومضيق هرمز.
وتشير تحليلات صادرة عن مراكز أبحاث دولية، مثل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) ومعهد بروكينغز (Brookings Institution)، إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بعناصر قوة يصعب تجاهلها، حتى وإن تراجعت قدرتها على توسيع نفوذها بالوتيرة نفسها التي شهدتها العقود الماضية.
كما أشارت تقارير رويترز إلى أن التطورات العسكرية الأخيرة دفعت دول المنطقة إلى إعادة تقييم حساباتها الأمنية والتحالفات التي اعتمدت عليها لعقود، وهو ما يؤكد أن نتائج الحروب لا تُقاس فقط بالخسائر العسكرية، بل أيضًا بالتغيرات التي تفرضها على البيئة الاستراتيجية بأكملها.
وفي الوقت نفسه، ما زالت إيران تحافظ على علاقات استراتيجية مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا، وهو ما يمنحها هامشًا سياسيًا واقتصاديًا يساعدها على مواجهة جزء من الضغوط الغربية، ويحد من فرص عزلها بصورة كاملة.
أما في الداخل الإيراني، فتتحدث معظم الدراسات عن تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية متزايدة، لكنها تميز بوضوح بين إضعاف النظام وانهيار الدولة. فالدول التي تمتلك مؤسسات مركزية قوية تكون عادة أكثر قدرة على امتصاص الصدمات وإعادة تنظيم نفسها، حتى بعد أزمات عسكرية واقتصادية كبيرة.
وفي المقابل، فإن الشرق الأوسط نفسه دخل مرحلة جديدة تختلف عن العقود السابقة. فلم تعد القوة العسكرية التقليدية وحدها هي العامل الحاسم، بل أصبحت التكنولوجيا عنصرًا رئيسيًا في تحديد موازين القوى. فالذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والأقمار الصناعية، وأنظمة الدفاع الجوي، أصبحت جميعها أدوات تصنع الردع وتحدد مستقبل النفوذ الإقليمي.
ولهذا، فإن مستقبل الشرق الأوسط لن تحدده قوة إيران وحدها، ولا قوة إسرائيل وحدها، ولا السياسات الأمريكية وحدها، بل سيحدده التوازن بين التكنولوجيا، والاقتصاد، والتحالفات، وقدرة الدول على بناء مؤسسات وطنية قوية ومجتمعات متماسكة.
لقد أثبت التاريخ أن الإمبراطوريات لا تنهار بضربة واحدة، كما أن المشاريع الكبرى لا تنجح بقرار واحد. فالقدرة على التكيف وإعادة بناء عناصر القوة بعد كل أزمة هي التي تحدد من يبقى ومن يتراجع.
الخاتمة
المشروع الإيراني تعرض بالفعل لتراجع وضغوط كبيرة، لكنه لم ينتهِ. وفي المقابل، لم يحقق خصومه حسمًا استراتيجيًا نهائيًا. لذلك، فإن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة إعلان المنتصر، بل مرحلة إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.
وسيكون الفائز الحقيقي في العقود القادمة هو الطرف الذي ينجح في امتلاك التكنولوجيا، وتعزيز اقتصاده، وبناء تحالفات مستقرة، وإقامة مؤسسات وطنية قوية. أما الاعتقاد بأن قرارًا واحدًا أو معركة واحدة يمكن أن تحسم مستقبل المنطقة، فهو تبسيط لا تؤيده دروس التاريخ ولا تحليلات مراكز الأبحاث الدولية.
المصادر والمراجع: الأمم المتحدة، ميثاق الأمم المتحدة؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment