الخلاف السعودي الإماراتي وإعادة تقاسم النفوذ

الخليج بين الخلاف السعودي-الإماراتي والتقارب مع إيران… هل يبدأ عصر إعادة تقاسم النفوذ؟

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – محلل اقتصاد وتسويق – الدوحة – 15 مايو 2026

من يتابع المشهد الخليجي خلال السنوات الأخيرة يلاحظ أن الخلافات السعودية-الإماراتية لم تعد مجرد تباينات عابرة في ملفات اقتصادية أو سياسية، بل بدأت تتحول إلى اختلافات في الرؤية حول شكل الخليج القادم، ودور كل دولة فيه، وعلاقته بالقوى الإقليمية والدولية.

الخلاف اليوم لا يعني بالضرورة عداءً مباشرًا بين الرياض وأبوظبي، فالعلاقات بين الدول الكبرى داخل أي تكتل تمر دائمًا بمراحل شد وجذب، لكن الخطورة تكمن حين تتحول المنافسة إلى مشروعين مختلفين لمستقبل المنطقة. هنا يبدأ مجلس التعاون بفقدان روحه القديمة التي تأسست على فكرة “الخطر المشترك” ووحدة المصير الأمني.

في السابق، كان التهديد الإيراني هو العنصر الذي يجبر الجميع على البقاء داخل المظلة الخليجية الواحدة. لكن مع تغير التوازنات الدولية، وتراجع الحضور الأمريكي التقليدي، وبدء كل دولة خليجية في بناء علاقاتها الخاصة مع القوى الكبرى، بدأت تظهر فكرة “الخليج المتعدد المسارات” بدل الخليج الموحد سياسيًا.

السعودية اليوم تنظر إلى نفسها باعتبارها الدولة المركزية الكبرى في الخليج والعالم العربي، وتريد إعادة تشكيل المنطقة وفق ثقلها السكاني والجغرافي والاقتصادي. بينما ترى الإمارات أن قوتها تكمن في المرونة، والانفتاح الاقتصادي، والعلاقات الدولية المتشعبة، والقدرة على المناورة بين القوى المختلفة. وهذا الاختلاف في الرؤية قد يتحول مع الوقت إلى تنافس هادئ على قيادة الخليج نفسها.

ومن هنا تظهر بعض الأطروحات التي تتحدث عن احتمال توجه السعودية مستقبلًا إلى ترتيبات أمنية أو تفاهمات إقليمية مباشرة مع إيران، ليس حبًا بطهران، بل باعتبار أن الدول الكبرى أحيانًا تتجه إلى “إدارة الخصوم” بدل الصدام المفتوح معهم. وهذا يشبه ما حدث تاريخيًا في أوروبا خلال الحرب الباردة حين قامت ترتيبات أمنية قائمة على تقاسم النفوذ وتخفيف الاحتكاك المباشر، رغم استمرار العداء الأيديولوجي.

وربما ترى الرياض مستقبلاً أن التفاهم المباشر مع إيران يمنحها قدرة أكبر على إدارة ملفات المنطقة، خاصة إذا شعرت أن النظام الإقليمي القديم الذي قام على الحماية الغربية المطلقة لم يعد ثابتًا كما كان. فالدول الكبرى غالبًا لا تتحرك بالعواطف، بل بمنطق المصالح وتخفيف الاستنزاف طويل المدى.

لكن أي تقارب سعودي-إيراني إن حدث بصورة واسعة وعميقة، ستكون له آثار ضخمة على مجلس التعاون. فبعض دول الخليج الصغيرة قامت استراتيجيتها لعقود على فكرة الاحتماء بالتوازن الخليجي الجماعي في مواجهة إيران. وإذا تحولت العلاقة السعودية-الإيرانية إلى تفاهمات مستقرة، فقد تشعر هذه الدول بأن المجلس فقد أحد أهم أسباب وجوده التقليدية.

المشكلة أن مجلس التعاون لم ينجح حتى الآن في التحول من “مجلس أمني” إلى “اتحاد مصالح اقتصادية حقيقية” على الطريقة الأوروبية. فما زالت الهويات الاقتصادية منفصلة، والمنافسة على الموانئ والاستثمارات والسياحة والخدمات اللوجستية تتزايد بدل أن تتكامل. ولذلك فإن أي خلاف سياسي بين القوى الكبرى داخل المجلس ينعكس سريعًا على بنية المجلس نفسه.

وربما لهذا السبب بدأت تظهر في السنوات الأخيرة مؤشرات غير مألوفة خليجيًا؛ مثل الخلافات الاقتصادية العلنية، والتنافس على جذب الشركات العالمية، وتغير سياسات الحدود والتنقل، وحتى الاختلاف في إدارة الملفات الإقليمية الكبرى من اليمن إلى إيران إلى العلاقة مع القوى الغربية والشرقية.

ومع ذلك، من المبكر الحديث عن انهيار كامل لمجلس التعاون. فالمجلس ما زال يمثل مظلة ضرورية للجميع، وما زالت الروابط الاجتماعية والاقتصادية والأمنية بين شعوب الخليج عميقة جدًا. لكن المجلس قد يدخل مرحلة جديدة مختلفة عن مرحلته التقليدية؛ مرحلة تقوم على التعاون المرن لا الوحدة السياسية الكاملة.

الخليج اليوم لا يعيش فقط خلافات بين دولتين… بل يعيش مرحلة إعادة توزيع أدوار ونفوذ في منطقة تتغير بسرعة. والسؤال الحقيقي ليس: هل ينهار مجلس التعاون؟

بل: هل يستطيع التحول من مجلس تأسس على الخوف الأمني إلى تكتل يقوم على المصالح الاقتصادية العميقة والرؤية المشتركة للمستقبل؟

🄯 جميع الحقوق محفوظة © عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة 2025

يحظر إعادة النشر أو الترجمة أو الاقتباس الجزئي إلا بإذن خطي من المؤلف.

المصادر والمراجع: الأمم المتحدة، ميثاق الأمم المتحدة؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟