نهاية استراتيجية الغاز المسال- معركة البقاء بالأنابيب

من حروب السكر والنفط إلى نهاية استراتيجية الغاز المسال القطري: الأنابيب معركة البقاء في الأسواق العالمية

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع

الدوحة – 15 أكتوبر 2026

منذ القرن التاسع عشر، لم تكن المنافسة الأمريكية على أسواق المواد الأولية مجرد منافسة في الأسعار والجودة، بل دخلت فيها القوة السياسية والعسكرية والمالية. ففي هاواي، ارتبط نفوذ مزارعي السكر الأمريكيين بالإطاحة بالنظام الملكي عام 1893، ثم ضم الجزر إلى الولايات المتحدة عام 1898. وفي أمريكا الوسطى، تداخلت تدخلات واشنطن مع مصالح شركات الموز والسكر والموانئ والسكك الحديدية، فيما عُرف تاريخيًا بحروب الموز.

ومع ظهور النفط بوصفه مادة استراتيجية، اتسعت أدوات النفوذ. ففي إيران عام 1953 شاركت الولايات المتحدة وبريطانيا في إسقاط حكومة محمد مصدق بعد تأميم النفط، وسط حسابات جمعت المصالح النفطية بالحرب الباردة. وفي عام 1959 فرضت واشنطن قيودًا على واردات النفط لحماية صناعتها المحلية. وفي تشيلي، واجه تأميم النحاس عام 1971 ضغوطًا مالية واقتصادية أمريكية.

ثم وصل الصراع إلى أنابيب الغاز نفسها. ففي عام 1982 فرضت إدارة ريغان قيودًا على مشاركة الشركات في بناء خط الغاز السوفيتي إلى أوروبا، رغم اعتراض حلفاء واشنطن الأوروبيين. وبعد عقود فرضت الولايات المتحدة عقوبات على المشاركين في مشروع نورد ستريم 2 الروسي. اختلفت الظروف والدوافع، لكن الدرس واحد: الأسواق الاستراتيجية لا تحكمها قوانين التجارة وحدها، بل موازين القوة أيضًا.

هذا التاريخ لا يثبت أن كل أزمة تجارية مؤامرة أمريكية، ولا يلغي الدوافع الأمنية المعلنة لتلك السياسات. لكنه يوجب على قطر أن تسأل: هل يمكن بناء مستقبل ثروتها الوطنية على طريق بحري لا تملك ضمان استمراره؟

لقد أدت صناعة الغاز الطبيعي المسال وظيفتها التاريخية بنجاح، وأسهمت في بناء الاقتصاد القطري الحديث وتمويل نهضته. ولكنني أرى أن استراتيجية الاعتماد على تصديره من رأس لفان عبر مضيق هرمز قد انتهى زمنها، ولا تستحق أن تبقى الأساس الذي نرهن به مستقبل الاقتصاد. فالطريق أُغلق وتعطلت فيه حركة التصدير، ويمكن أن ينسد مجددًا في السنوات المقبلة كلما تجدد الصراع، حتى لو فُتح مؤقتًا.

المشكلة ليست في جودة الغاز القطري ولا في طاقة إنتاجه، وإنما في الوصول إلى المستهلك. فمنذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران في فبراير 2026، أصبح هرمز موضع حرب وتهديد وتعطيل متكرر. وقد كشفت تقارير أكتوبر أن صادرات الغاز القطري المسال في سبتمبر بلغت نحو ربع مستواها قبل الحرب. وذكرت رويترز أن شركة إيطالية عوضت غياب الإمدادات القطرية بشراء الغاز الأمريكي. العميل الذي يتعلم تأمين بدائله قد يعيد ترتيب عقوده واستثماراته حتى بعد عودة الملاحة.

وفي تقديري، فإن إغلاق المسار الأمريكي اقتصاديًا بالحرب وما تسببه من تضخم تكاليف الشحن والتأمين، والمسار الإيراني بالتهديد والابتزاز ومحاولات فرض رسوم العبور، وجهان لعملة واحدة من حيث النتيجة على قطر. فالولايات المتحدة لا تفرض أقساط التأمين بنفسها، وإيران لا تملك حق فرض إتاوات على مجرد عبور مضيق دولي؛ لكن المنتج القطري يدفع في النهاية ثمن المخاطر والاضطراب، بينما تتقدم بدائل منافسة في السوق.

إنها معركة بقاء، وليست مجرد أزمة أسعار. فلا قيمة اقتصادية للغاز الذي ننتجه إذا عجزنا عن الوفاء بعقود تسليمه. وفي عالم تتحكم فيه العملة والحديد والنار والقوى المهيمنة على الممرات، لا تكفي الدبلوماسية والقوة الناعمة وحدهما لحماية حصتنا التجارية. لا بد أن نمتلك طريقًا آخر.

ولتبسيط الفكرة، خدمت الخيول الإنسان آلاف السنين في النقل والتجارة، ثم جاءت السيارات فأدت الوظيفة بصورة أنسب للعصر. ولم يكن انتهاء دور الخيل في النقل الرئيسي إنكارًا لخدماتها القديمة. كذلك أرى أن مصانع الغاز المسال في قطر أدت دورًا عظيمًا في الماضي، لكن زمن اعتبار ناقلاتها العابرة لهرمز الوسيلة الوحيدة للمستقبل قد انتهى. وكما حلت السيارات محل الخيول، يجب أن تحل الأنابيب تدريجيًا محل الاعتماد الاستراتيجي على هذا الطريق البحري.

ولا يعني ذلك أن الغاز المسال اختفى من العالم، أو أن الأنابيب تستطيع نقل الغاز المسال ذاته. فالغاز ينقل بالأنابيب في حالته الغازية، ثم يمكن بيعه مباشرة للمستهلكين أو إسالته مجددًا عند منفذ تصدير جديد. ولذلك لا أدعو إلى إغلاق مصانع رأس لفان فورًا، وإنما إلى وقف التوسع في الاعتماد الأحادي عليها دون بديل، وتحويل الاستثمارات المقبلة إلى شبكة تصدير متعددة المسارات.

تبدأ الاستراتيجية الجديدة من الاستهلاك المحلي الخليجي: ربط الغاز القطري بمحطات الكهرباء والتحلية والصناعات في دول مجلس التعاون، بعقود طويلة الأجل، ثم مد الشبكة إلى سواحل سلطنة عُمان على بحر العرب لإقامة مرافق تصدير لا تمر عبر هرمز. وقد أثبت مشروع دولفين إمكانية إيصال الغاز القطري بالأنابيب إلى الإمارات وعُمان. والمطلوب توسيع الفكرة إلى مشروع خليجي مشترك تحميه اتفاقيات حكومية وتمويل طويل الأجل.

وفي 21 سبتمبر 2026 أعلن وزير الدولة لشؤون الطاقة أن خيار الأنابيب البديلة رُفض لأسباب فنية وتجارية، لأن نقل الغاز ثم إسالته في موقع آخر يعني تكرار منشآت مكلفة. هذه حجة ينبغي أخذها بجدية، لكن يجب ألا تنتهي الدراسة عند تكلفة البناء. فأين حساب خسائر توقف الصادرات، وارتفاع التأمين، وتعويض العملاء، واحتمال فقدان الأسواق لسنوات؟ ينبغي مقارنة كلفة المشروع البديل بكلفة استمرار الاعتماد على هرمز، لا بكلفة المنشآت القائمة وحدها.

وهنا تظهر ضرورة الإدارة الجديدة. فالقيادة التي نجحت في مرحلة الغاز المسال ليست بالضرورة الأقدر على قيادة مشروع إقليمي للأنابيب والتفاوض على حقوق المرور والتمويل والأسواق. وأقترح تشكيل فريق وطني تنفيذي مستقل، يجمع خبرات الهندسة والتمويل والتسويق والقانون، بصلاحيات واضحة وبرنامج زمني محدد، مستفيدًا من أسلوب تعبئة الموارد الذي أنجزت به قطر البنية التحتية لكأس العالم.

إن بقاء القرار الاستراتيجي محصورًا في العقلية التي بنت نموذج الغاز المسال قد يؤدي إلى تكرار حلول الماضي، بينما تحتاج المرحلة المقبلة إلى مشروع يبدأ من الصفر، ويعيد رسم خريطة صادرات قطر قبل أن يعيد المنافسون رسم خريطة الأسواق على حسابها.

لقد انتهت في رأيي صلاحية استراتيجية «ننتج أكثر، ثم ننتظر السفن في هرمز». والسؤال لم يعد كم مليون طن تستطيع قطر إنتاجه، بل كم منها تستطيع ضمان وصوله إلى الأسواق. إذا لم تتغير الإدارة والطريق، فقد نخسر العملاء قبل أن نستعيد حرية الملاحة. أما إذا بدأنا الآن بناء شبكة الأنابيب الخليجية ومنافذ بحر العرب، فسنحوّل الأزمة إلى نقطة انطلاق لاقتصاد أقل ارتهانًا للمضيق وأكثر قدرة على البقاء.

المصادر والمراجع: وكالة الطاقة الدولية، تقرير الغاز 2025؛ إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ وكالة الطاقة الدولية، آفاق الطاقة العالمية 2025.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟