إيران والطبل الفارغ سياسة الضجيج التي أرهقت المنطقة
إيران والطبل الفارغ… سياسة الضجيج التي أرهقت المنطقة
تحليل سياسي واقتصادي – إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – محلل اقتصاد وتسويق – الدوحة – 24 مايو 2026
الخبر المتداول الذي أثار الجدل خلال الأيام الماضية يتعلق بإعلان إيراني عن إنشاء ما سمّته طهران “نطاقًا رقابيًا” أو “منطقة إشراف وتنظيم” في مدخل مضيق هرمز، مع الحديث عن إلزام السفن بالتنسيق المسبق والحصول على تصاريح لعبور المنطقة. ووفق ما نُشر، فإن النطاق يمتد من جبل مبارك جنوب إيران وحتى جنوب الفجيرة شرقًا، ومن جزيرة قشم الإيرانية حتى مناطق مقابلة للسواحل الإماراتية والعُمانية غربًا. كما تحدثت تقارير عن تحديد مسارات بحرية خاضعة لإشراف الحرس الثوري الإيراني داخل المضيق.
هذه التصريحات أعادت من جديد أسلوب الضجيج السياسي الذي يتكرر كلما دخل النظام الإيراني مرحلة ضغط أو تفاوض أو أزمة داخلية. فمثل هذه التصريحات لا تغيّر القوانين الدولية، لكنها تفتح أبواب التوتر الإعلامي وتدفع المنطقة إلى نقاشات جانبية تستنزف الاستقرار النفسي والاقتصادي للأسواق.
النظام الإيراني يعيش منذ سنوات على سياسة الضجيج الإعلامي أكثر من اعتماده على القوة الحقيقية. فكلما اشتدت عليه العقوبات أو تعقدت أزماته الداخلية والاقتصادية، عاد لإثارة ملفات جانبية في الخليج ومضيق هرمز وكأنه يحاول إقناع العالم بأنه ما زال يمسك بمفاتيح المنطقة، بينما الواقع الاقتصادي والسياسي داخل إيران يكشف تراجعًا واضحًا واستنزافًا مستمرًا.
إيران تدرك جيدًا أنها لا تملك القدرة على الدخول في مواجهة شاملة طويلة مع القوى الكبرى أو مع الاقتصاد العالمي، لكنها تعتمد على أسلوب “رفع الضوضاء” وخلق التوترات للحصول على مكاسب تفاوضية هنا وهناك، خصوصًا في أي حوار أو تسوية مع الولايات المتحدة أو الغرب. ولهذا تتحول التصريحات الإيرانية أحيانًا إلى ما يشبه الطبل الفارغ المعلق على شجرة؛ كلما هبت رياح الأزمات قرعت أصواته دون أن يغيّر شيئًا حقيقيًا على الأرض.
المشكلة أن هذا الأسلوب لا يضر إيران وحدها، بل يرهق المنطقة بأكملها ويخلق حالة مستمرة من القلق في أسواق الطاقة والتأمين والشحن البحري. فبدل أن تتحول المنطقة إلى مركز استقرار اقتصادي عالمي، يتم إدخالها باستمرار في دوامة التصريحات العسكرية والتهديدات الإعلامية والمواقف المتقلبة.
لكن ما يبدو أن طهران لا تدركه هو أن دول الخليج تغيّرت كثيرًا خلال السنوات الأخيرة. الخليج اليوم لم يعد مجرد منطقة تصدير نفط تقليدية، بل أصبح يبني واحدة من أكبر الشبكات اللوجستية والاقتصادية في العالم، تشمل الموانئ العملاقة، والسكك الحديدية، والمناطق الحرة، وخطوط الأنابيب، والممرات التجارية البديلة. وكل تهديد جديد يدفع هذه المشاريع إلى التسارع أكثر لا إلى التراجع.
ولهذا فإن محاولات التخويف أو التهديد المتكرر لم تعد تحقق التأثير القديم نفسه. بل على العكس، أصبحت سببًا مباشرًا في تسريع مشاريع “الهروب من هرمز” وبناء بدائل استراتيجية نحو البحر الأحمر وبحر العرب وربط الخليج بآسيا وإفريقيا وأوروبا عبر مسارات متعددة.
وفي الأيام بل الساعات القادمة الآن، تبدو إيران وكأنها تتجرع السم الذي خمّره لها نظام الخميني طوال 47 عامًا من الصدامات والعزلة والشعارات الثورية التي استنزفت الدولة والمجتمع الإيراني. فالشعب الإيراني المغلوب على أمره يجد نفسه اليوم أمام تركة ثقيلة من العقوبات والانهيار الاقتصادي والعزلة السياسية، بينما تتشكل في المقابل ترتيبات واتفاقات إقليمية ودولية جديدة قد تُفرض عليه كأمر واقع ضمن أي تسويات كبرى قد تفرضها واشنطن على المنطقة خلال المرحلة المقبلة، بعد أن أضاع النظام الإيراني عقودًا طويلة في إدارة الأزمات بدل بناء الاقتصاد والاستقرار.
الاقتصاد هو من يحكم العالم اليوم، وليس الشعارات الثورية أو الضجيج السياسي. والدول التي تنجح في بناء الثقة والاستقرار وقنوات الإمداد هي التي تقود المستقبل. أما الدول التي تستهلك طاقتها في الصراخ والتصعيد الإعلامي دون بناء اقتصادي حقيقي، فإنها مع الوقت تتحول إلى عبء على نفسها وعلى محيطها.
الخليج يتجه نحو مرحلة جديدة من القوة الاقتصادية والصناعية واللوجستية، بينما لا يزال النظام الإيراني عالقًا في عقلية إدارة الأزمات والصدامات والشعارات القديمة. والفارق بين من يبني الموانئ والسكك الحديدية والمناطق الصناعية، وبين من يبني الأزمات، سيظهر بوضوح أكبر خلال السنوات القادمة.
المصادر والمراجع: الأمم المتحدة، ميثاق الأمم المتحدة؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment