الخطوات الأمريكية للسيطرة على أسواق الطاقة
الخطوات الأمريكية لإعادة تشكيل السيطرة على أسواق النفط والغاز العالمية
قراءة اقتصادية واستراتيجية حتى 11 أكتوبر 2026
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – 11 أكتوبر 2026
لم تعد المنافسة العالمية على النفط والغاز محصورة في حجم الإنتاج أو امتلاك الاحتياطيات، بل أصبحت تشمل السيطرة على طرق النقل البحري، والأسواق المستهلكة، والنظام المصرفي، والعقوبات الاقتصادية، والاستثمارات في الحقول وخطوط الأنابيب.
وعند النظر إلى الإجراءات الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، وخاصة في عام 2026، نلاحظ توسع النفوذ الأمريكي في عدة مناطق منتجة ومستهلكة للطاقة، الأمر الذي يستدعي دراسة هذه الإجراءات مجتمعة، لا بوصفها أحداثًا منفصلة.
أولًا: محاصرة إيران واضطراب صادرات الخليج عبر هرمز.
فرضت الولايات المتحدة حصارًا بحريًا على إيران، بالتزامن مع تراجع كبير في حركة الناقلات عبر مضيق هرمز. ولم تقتصر التداعيات على النفط الإيراني، بل امتدت إلى صادرات دول الخليج، بما فيها الغاز القطري. وأصبح المنتج الخليجي يواجه صعوبة في الوصول إلى الأسواق رغم امتلاكه الطاقة الإنتاجية والعقود التجارية.
ثانيًا: تحول باب المندب إلى جبهة تهدد صادرات الخليج.
أدت الهجمات الحوثية إلى تهديد طريق البحر الأحمر، الذي أصبح أكثر أهمية بعد تعطل هرمز. وهكذا أصبحت صادرات الطاقة الخليجية معرضة للخطر عند منفذين بحريين رئيسيين. واستمرار الأزمة يضعف الميزة التنافسية للخليج.
ثالثًا: السيطرة المتزايدة على تجارة النفط الفنزويلي.
وسعت واشنطن قدرتها على توجيه تجارة النفط الفنزويلي من خلال العقوبات والتراخيص والشروط المفروضة على الشركات والمتعاملين. وأصبحت تملك نفوذًا مؤثرًا في تحديد الجهات المسموح لها بشراء النفط الفنزويلي ونقله وتسويقه، دون أن يعني ذلك ملكية الولايات المتحدة للاحتياطيات الفنزويلية.
رابعًا: الضغط على روسيا وعزل جانب من صادراتها.
استخدمت الولايات المتحدة العقوبات والقيود المالية والتجارية للضغط على صادرات الطاقة الروسية، بما يؤثر في المشترين وشركات النقل والتمويل. وقد أسهم تقلص الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي في فتح أسواق إضافية للغاز الأمريكي.
خامسًا: النفوذ الأمريكي على عائدات النفط العراقي.
رغم انسحاب القوات الأمريكية من قواعدها الأخيرة في العراق، ما زالت عائدات النفط العراقي تمر من خلال ترتيبات مصرفية مرتبطة ببنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وتمنح هذه الترتيبات واشنطن نفوذًا ماليًا مهمًا على اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط.
سادسًا: محاولة الدخول في شبكة تصدير الغاز الروسي إلى أوروبا.
كشفت تقارير عن محادثات لاستكشاف دخول مستثمرين أمريكيين في ترتيبات تتعلق بخطوط نورد ستريم لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا. وإذا تحققت هذه الترتيبات، فقد تنتقل الولايات المتحدة من منافسة الغاز الروسي إلى المشاركة في بعض قنوات تصديره. لكن هذه المحادثات لم تتحول إلى سيطرة فعلية على الخطوط.
سابعًا: توسيع حصة الغاز الأمريكي في أوروبا.
أصبحت الولايات المتحدة أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال عالميًا. وبلغت صادراتها نحو 15.1 مليار قدم مكعبة يوميًا عام 2025، مع توقع ارتفاعها خلال عامي 2026 و2027. وقد استفادت من زيادة الطلب الأوروبي وتراجع بعض الإمدادات المنافسة.
ثامنًا: معاقبة المشترين الصينيين للنفط الإيراني.
استهدفت العقوبات الأمريكية مصافي صينية وشركات وسفنًا مرتبطة بتجارة النفط الإيراني. ولم يعد الضغط مقتصرًا على الدولة المنتجة، بل أصبح يمتد إلى المستوردين والجهات التي تمول الصفقات وتنقل الشحنات.
تاسعًا: الضغط على الهند لتقليل مشترياتها من النفط الروسي.
استخدمت واشنطن التهديد بالرسوم والعقوبات للضغط على الدول المستوردة للنفط الروسي، ومنها الهند. ويكشف ذلك أن السياسة الأمريكية تسعى إلى التأثير في اختيار مصادر الإمداد، لا في المنتجين وحدهم.
عاشرًا: توظيف الدولار والنظام المصرفي والعقوبات البحرية.
تمتلك الولايات المتحدة أدوات مالية تتجاوز قوتها الإنتاجية، تشمل تسوية المدفوعات بالدولار والعقوبات على المصارف وشركات الشحن والتأمين. ويمكن لهذه الأدوات أن تجعل التعامل مع نفط دولة معينة أكثر تكلفة ومخاطرة، حتى عندما يكون النفط متاحًا بالفعل.
الحادي عشر: زيادة إنتاج النفط والغاز الأمريكي.
استثمرت الولايات المتحدة في توسيع إنتاج النفط والغاز والبنية التحتية للتصدير، وخاصة منشآت تسييل الغاز. وهذا يمنح المنتج الأمريكي قدرة متزايدة على الاستفادة من اضطراب الإمدادات العالمية، وإن لم يكن قادرًا بمفرده على تعويض جميع الصادرات الخليجية المتوقفة.
الثاني عشر: التوسع الأمريكي في نفط غويانا.
تقود شركة إكسون موبيل مشروعات نفطية ضخمة في غويانا، بمشاركة استثمارات أمريكية أخرى. وأصبح إنتاج هذه المشروعات يتجاوز 900 ألف برميل يوميًا وفق تقرير منشور في يونيو 2026، ما يعزز وجود الشركات الأمريكية في مصدر نفطي مهم خارج الولايات المتحدة.
الثالث عشر: تقييد وصول النفط إلى كوبا.
ساهمت القيود الأمريكية وتعطل الإمدادات التقليدية من فنزويلا والمكسيك في تفاقم أزمة الوقود الكوبية. ومع السماح ببعض الاستثناءات للقطاع الخاص، ظل وصول الحكومة الكوبية إلى الإمدادات مقيدًا.
الرابع عشر: التأثير في السوق عبر الاحتياطيات الاستراتيجية.
تؤثر الولايات المتحدة، بالتعاون مع دول مجموعة السبع ووكالة الطاقة الدولية، في المعروض العالمي من خلال السحب من المخزونات الطارئة. وفي أكتوبر 2026، جرى الإعلان عن خطة للإفراج عن نحو 100 مليون برميل من النفط والمنتجات البترولية ضمن التزامات سابقة، بهدف تخفيف الضغوط السعرية.
ماذا تكشف هذه الإجراءات مجتمعة؟
يمكن تقسيم أدوات النفوذ الأمريكي في قطاع الطاقة إلى خمس دوائر مترابطة.
الدائرة الأولى هي الإنتاج، من خلال التوسع في النفط والغاز الأمريكي والاستثمارات المرتبطة بالشركات الأمريكية خارج البلاد.
الدائرة الثانية هي طرق النقل، حيث أصبح النفوذ العسكري والبحري والتأمين على الناقلات عوامل مؤثرة في قدرة الدول المنتجة على تصدير طاقتها.
الدائرة الثالثة هي التمويل، وتشمل النظام المصرفي العالمي والدولار والعقوبات والتراخيص، وهي أدوات تستطيع التأثير في عمليات التصدير حتى دون امتلاك الحقول.
الدائرة الرابعة هي الأسواق، من خلال زيادة مبيعات الغاز الأمريكي لأوروبا، والضغط على مشترين آسيويين لتغيير مصادر وارداتهم.
أما الدائرة الخامسة فهي الاستثمارات، وتتمثل في التوسع الأمريكي المباشر وغير المباشر في حقول الطاقة وشركات الإنتاج والنقل ومشروعات الأنابيب خارج الولايات المتحدة.
ماذا يعني ذلك لدول الخليج؟
تكشف هذه الإجراءات أن القوة الأمريكية في سوق الطاقة لا تعتمد على إنتاج النفط والغاز وحده، بل على الجمع بين الإنتاج والنقل والتمويل والأسواق والاستثمارات.
إن النظر إلى الإجراءات الأمريكية مجتمعة يكشف عن اتجاه استراتيجي لإعادة تشكيل أسواق النفط والغاز العالمية بما يعزز المصالح الأمريكية على حساب المنافسين. فمحاصرة مصادر الطاقة الإيرانية والروسية، وتوسيع النفوذ على النفط الفنزويلي، والضغط على المشترين الآسيويين، وزيادة صادرات الطاقة الأمريكية، بالتزامن مع تعطل منافذ التصدير الخليجية، كلها تطورات تصب في إعادة توزيع الحصص السوقية لمصلحة المنتجين البديلين.
وليس المطلوب من دول الخليج انتظار إعلان أمريكي عن أهداف هذه السياسة، بل قراءة نتائجها الاقتصادية والاستراتيجية. فكل يوم تتعطل فيه الصادرات الخليجية يمنح المنافسين فرصة إضافية للحصول على العملاء والعقود والتمويل والاستثمارات طويلة الأجل.
والسؤال الذي يجب أن يطرحه التقرير ليس: هل أعلنت أمريكا نيتها إزاحة النفط والغاز الخليجي؟ بل: من يستفيد اقتصاديًا من تعطيل صادرات الخليج، ومن يستحوذ على أسواقه خلال فترة التعطيل؟
والخطر الحقيقي الذي يواجه دول الخليج هو أن استمرار تعطل صادراتها عبر هرمز وباب المندب يتيح للمشترين الدوليين البحث عن موردين آخرين، ثم توقيع عقود طويلة الأجل معهم، وتمويل مشروعات بديلة قد تستمر بعد انتهاء الأزمة.
هنا تبرز أهمية المشروع الخليجي المشترك لنقل النفط والغاز عبر الأنابيب إلى منافذ بحرية خارج مضيق هرمز، مع مراعاة أمن المنافذ البديلة أيضًا.
فالإعلان عن مشروع خليجي موثوق، مدعوم باتفاقية حكومية موحدة والتزامات نقل طويلة الأجل، يمكن أن يغير حسابات البنوك العالمية قبل إنشاء الأنابيب نفسها.
ذلك أن البنوك لا تمول مشاريع الطاقة وفق الأسعار الحالية فقط، بل تدرس مستقبل الطلب، ومخاطر النقل، وقدرة الموردين على الوفاء بالعقود، واحتمالات عودة المنافسين إلى الأسواق.
وبالتالي فإن وجود بديل خليجي موثوق لهرمز قد يقلل الجدوى المتوقعة لبعض استثمارات استبدال الطاقة الخليجية بمصادر أخرى.
والنتيجة أن المنافسة على أسواق النفط والغاز لن يحسمها حجم الاحتياطيات أو القدرة الإنتاجية وحدهما، بل قدرة الدولة المنتجة على ضمان وصول إمداداتها إلى العملاء بانتظام، وبمخاطر وتكاليف يمكن للمستثمرين والمشترين تحملها.
وهذا هو التحدي الاستراتيجي الذي تواجهه دول الخليج اليوم.
المصادر والمراجع: وكالة الطاقة الدولية، تقرير الغاز 2025؛ إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ وكالة الطاقة الدولية، آفاق الطاقة العالمية 2025.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment