تعبث في المضيق... تُقصف من فوق

تعبث في المضيق... تُقصف من فوق

هل ولدت معادلة ردع جديدة في الخليج؟

تحليل سياسي واستراتيجي

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع

الدوحة – قطر

9 يوليو 2026

في التاريخ العسكري، لا تسقط الأسلحة لأنها أصبحت غير صالحة، بل لأنها فقدت قدرتها على تحقيق أهدافها. فكلما ابتكر طرف سلاحًا أو وسيلة ضغط، سارع الطرف الآخر إلى تطوير وسيلة مضادة تقلل من قيمته. ومن هنا يتغير ميزان الردع باستمرار؛ من السيف إلى البارود، ومن الطائرة إلى الصاروخ، ومن حاملة الطائرات إلى المسيّرات، ومن تهديد الممرات البحرية إلى استهداف مصادر التهديد نفسها.

لعقود طويلة، كان مضيق هرمز يمثل أهم ورقة ردع في الإستراتيجية الإيرانية. فجزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية يمر عبر هذا الممر الحيوي، وكان مجرد التهديد بإغلاقه كفيلاً بإرباك أسواق الطاقة ورفع أسعار النفط واستنفار القوى الكبرى.

لكن العالم تغير، وتغيرت معه طبيعة المصالح التي تمر عبر الخليج. فلم يعد مضيق هرمز مجرد ممر لناقلات النفط والغاز، بل أصبح شريانًا مزدوجًا للطاقة والاقتصاد الرقمي العالمي.

وتحت مياه الخليج العربي وخليج عُمان تمتد كابلات الألياف الضوئية البحرية التي تنقل جزءًا كبيرًا من حركة الإنترنت والاتصالات الدولية بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط. وتعتمد عليها البنوك العالمية، وأسواق المال، وشركات التكنولوجيا، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، والاتصالات الحكومية والعسكرية. وأي اضطراب واسع فيها قد يؤثر في الاقتصاد العالمي خلال دقائق، وليس في سوق النفط وحده.

لهذا أصبحت حماية الخليج تعني حماية شريانين في آن واحد: شريان الطاقة، وشريان البيانات.

وليس هذا أول مرة يتحول فيها ممر بحري إلى قضية أمن عالمي. فخلال معركة الأطلسي في الحرب العالمية الثانية أدرك الحلفاء أن خسارة خطوط الإمداد البحرية تعني خسارة الحرب نفسها، فحشدوا الأساطيل والطيران وتقنيات الرادار والسونار لحماية القوافل التجارية.

وفي حرب الناقلات خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، لم تسمح القوى الكبرى بانهيار الملاحة في الخليج، بل رافقت الناقلات ونفذت عمليات عسكرية لضمان استمرار تدفق النفط.

وعندما تعرضت الملاحة في خليج عدن وباب المندب لتهديدات القرصنة ثم الهجمات المسلحة، تشكلت قوات بحرية متعددة الجنسيات لحماية السفن، ولم يعد أمن الممرات البحرية مسؤولية الدول المطلة عليها وحدها، بل أصبح مسؤولية دولية لأن الاقتصاد العالمي يعتمد عليها.

كما أثبتت أزمة قناة السويس عام 1956 أن أي اضطراب في ممر بحري إستراتيجي يتجاوز حدود الدولة التي يقع فيها، ليصبح قضية دولية تمس التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.

هذه الأمثلة تكشف نمطًا تاريخيًا واضحًا؛ فكلما ازدادت أهمية ممر بحري للاقتصاد العالمي، ازداد استعداد القوى الكبرى لاستخدام القوة لحمايته. واليوم لا يدافع العالم عن ناقلات النفط وحدها، بل عن كابلات الإنترنت البحرية التي تحمل البيانات، والتحويلات المالية، والتجارة الإلكترونية، والاتصالات التي يقوم عليها الاقتصاد الرقمي الحديث.

ومن هنا بدأ يظهر تحول مهم في التفكير العسكري. فبدلًا من انتظار إغلاق المضيق ثم التعامل مع نتائجه، أصبح الاتجاه يميل إلى إبقاء الملاحة مفتوحة مع استهداف مصادر التهديد نفسها. ومن هذه القراءة يمكن تلخيص الاتجاه الناشئ بعبارة:

"تعبث في المضيق... تُقصف من فوق."

هذه ليست عقيدة عسكرية معلنة، لكنها تعكس قراءة لتحول في طبيعة الردع. فالسؤال لم يعد: هل يمكن إغلاق مضيق هرمز؟ بل أصبح: ما الثمن الذي سيدفعه من يحاول تعطيله؟

إذا ترسخت هذه المعادلة، فإن قيمة التهديد بإغلاق المضيق قد تتراجع تدريجيًا، ليس لأن الجغرافيا تغيرت، بل لأن أدوات الرد أصبحت أسرع وأكثر دقة، وتعتمد على الأقمار الصناعية، والاستخبارات، والطائرات المسيّرة، والصواريخ بعيدة المدى، والحرب الإلكترونية.

ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن المنطقة أصبحت أكثر أمنًا، بل إن طبيعة المخاطر تغيرت. فبدلًا من معارك بحرية طويلة، قد تصبح المواجهات المستقبلية أسرع وأكثر اعتمادًا على التكنولوجيا واستهداف مراكز القيادة وشبكات الاتصالات والبنية التحتية الحيوية.

أما بالنسبة لدول الخليج، فإن هذه التطورات تفرض إعادة تعريف مفهوم الأمن الوطني. فلم يعد يكفي امتلاك السلاح، بل أصبح من الضروري امتلاك التكنولوجيا، وبناء الصناعات الدفاعية، وتعزيز الأمن السيبراني، وحماية الكابلات البحرية، وتطوير منظومات الدفاع الجوي، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي، لأن هذه الأدوات ستكون جزءًا أساسيًا من حروب المستقبل.

إن التاريخ يعلمنا أن كل سلاح يولد معه سلاح مضاد، وكل وسيلة ضغط تفرز وسيلة ردع أقوى منها. وربما يكون ما نشهده اليوم بداية انتقال الخليج من مرحلة كان فيها مضيق هرمز ورقة تهديد، إلى مرحلة يصبح فيها من يهدد المضيق هو الهدف المباشر للردع العسكري.

وقد لا تكون عبارة "تعبث في المضيق... تُقصف من فوق" مجرد عنوان صحفي، بل وصفًا لتحول إستراتيجي محتمل، حيث أصبحت حماية مضيق هرمز تعني حماية ناقلات النفط، وكابلات الإنترنت البحرية، والاقتصاد الرقمي، وسلاسل الإمداد العالمية في آن واحد.

وربما يسجل المؤرخون أن العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين شهد بداية مرحلة جديدة، لم يعد فيها أمن مضيق هرمز قضية نفط فقط، بل قضية تمس استقرار الاقتصاد العالمي بأسره، وهو تحول قد يعيد رسم قواعد الردع في الخليج لعقود قادمة.

المصادر والمراجع: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ الأمم المتحدة، اتفاقية قانون البحار (الأحكام المتعلقة بالمضائق)؛ الأونكتاد، مراجعة النقل البحري 2025.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟