هرمز بين القانون والتفاوض والسيطرة
هل مضيق هرمز ورقة طارئة… أم نتيجة مشروع تاريخي متكامل من القانون إلى التفاوض؟
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة – 21 أبريل 2026
ما يحدث اليوم في مضيق هرمز لا يمكن فهمه كتصعيد عابر أو مناورة ظرفية، بل هو نتيجة مسار تاريخي طويل داخل إيران بدأ قبل عقود، حين لم تكن تمتلك القدرة العسكرية للسيطرة، فاتجهت إلى تأسيس الفكرة من زاوية أكثر عمقًا: القانون. في الأربعينيات والخمسينيات، ومع تشكّل قواعد السيادة البحرية وظهور مؤتمر الأمم المتحدة الأول لقانون البحار 1958، برزت معادلة “السيادة مقابل حرية المرور”، وهي معادلة بدت متوازنة ظاهريًا، لكنها فتحت بابًا مهمًا: تفسير السيادة وحدودها. من هنا لم يكن الهدف إغلاق المضيق، بل زرع أساس قانوني يتيح لاحقًا إعادة تعريفه، وتحويله من ممر دولي مفتوح إلى مساحة يمكن التأثير عليها.
مع صعود محمد رضا بهلوي، خرجت الفكرة من الإطار النظري إلى التطبيق العملي، حيث تحولت إيران إلى قوة إقليمية تمارس دور “شرطي الخليج” بدعم الولايات المتحدة، وبنت قوة بحرية، وفرضت سيطرة على الجزر الحيوية، لتصبح الهيمنة في هذه المرحلة مباشرة ومرئية ومسنودة دوليًا بشكل غير معلن. هنا لم يعد مضيق هرمز فكرة قانونية، بل أصبح أداة سيطرة فعلية، تتحكم من خلالها إيران في موقع استراتيجي يربط تدفق الطاقة بالعالم.
ثم جاءت الثورة الإيرانية 1979 بقيادة روح الله الخميني، فظن كثيرون أن المشروع انتهى، بينما الحقيقة أن الذي سقط هو الشكل فقط، أما الفكرة فبقيت وتحوّلت. لم تعد السيطرة عسكرية مباشرة، بل أصبحت نفوذًا غير مرئي، يقوم على التأثير داخل التوازنات الإقليمية بدل السيطرة على الجغرافيا، وعلى إدارة المشهد بدل احتلاله. في هذه المرحلة لم تعد إيران بحاجة للوجود الكامل في البحر، بل أصبحت قادرة على التأثير في قرارات المنطقة بوسائل أكثر مرونة وتعقيدًا، وهو ما جعل النفوذ أعمق رغم أنه أقل وضوحًا.
ورغم كل هذه التحولات، بقي مضيق هرمز عنصرًا ثابتًا في جميع المراحل: في البداية كمسألة قانونية قابلة للتأويل، ثم كأداة سيطرة عسكرية في عهد الشاه، ثم كوسيلة ضغط سياسية واقتصادية بعد الخميني. هذا الثبات يكشف أن الموقع لم يتغير في التفكير الإيراني، بل تغيرت طريقة استخدامه فقط، من السيطرة المباشرة إلى التحكم غير المباشر، ومن الحضور العسكري إلى إدارة مستوى التوتر.
اليوم، وفي ظل التفاوض مع الولايات المتحدة، لم تعد إيران بحاجة للسيطرة الكاملة على المضيق، بل يكفي أن تتحكم في درجة المخاطر فيه، فترفع التوتر فتضغط على الأسواق العالمية، وتخفضه فتفتح باب التفاهم، لتتحول هذه القدرة بحد ذاتها إلى قيمة تفاوضية. لا توجد صفقة مباشرة تقول “النووي مقابل الخليج”، لكن الواقع يكشف عن مقايضة غير معلنة: تقييد في البرنامج النووي مقابل تخفيف للعقوبات، يقابله تهدئة نسبية في السلوك الإقليمي، بما في ذلك مضيق هرمز. هنا لا يُباع النفوذ، بل يُدار، ولا يُحسم، بل يُستخدم كأداة ضمن التفاوض.
الخلاصة أن إيران لم تبدأ مشروعها في الخليج بالسلاح، بل بدأت بتأسيسه قانونيًا، ثم حولته إلى سيطرة في عهد الشاه، ثم إلى نفوذ في عهد الخميني، ثم إلى ورقة تفاوض في المرحلة الحالية. ما نراه اليوم ليس مفاجأة، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من التراكم، انتقل فيه المضيق من كونه ممرًا جغرافيًا إلى أداة استراتيجية متعددة الاستخدامات. ومن يقرأ الحاضر دون هذا التسلسل، لن يدرك أن ما يجري الآن ليس بداية، بل مرحلة متقدمة من مشروع قديم.
المصادر والمراجع: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ الأمم المتحدة، اتفاقية قانون البحار (الأحكام المتعلقة بالمضائق)؛ الأونكتاد، مراجعة النقل البحري 2025.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment