الدروس الخليجية من صمود أوكرانيا أمام روسيا

الدروس الخليجية من صمود أوكرانيا أمام روسيا

تحليل استراتيجي واقتصادي – إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة – 28 مايو 2026

الحرب بين و لم تعد مجرد حرب حدود أو نزاع عسكري تقليدي، بل تحولت إلى واحدة من أهم التجارب الاستراتيجية التي يراقبها العالم منذ نهاية الحرب الباردة. فهذه الحرب كشفت بصورة واضحة أن مفهوم القوة الحديثة لم يعد يعتمد فقط على حجم الجيوش أو عدد الدبابات والطائرات، بل أصبح مرتبطًا بقدرة الدولة على الصمود الطويل وإدارة الاقتصاد والبنية التحتية والمجتمع تحت الضغط. ومن هنا فإن دول الخليج مطالبة اليوم بقراءة هذه الحرب بعقل اقتصادي واستراتيجي عميق، لأن طبيعة الخليج أصلًا قائمة على الطاقة والموانئ والتجارة العالمية والانفتاح الاقتصادي، وهي عوامل تجعل أي اضطراب إقليمي أو دولي ينعكس مباشرة على أمنه واستقراره.

أول درس مهم كشفته الحرب الأوكرانية أن الحروب الحديثة أصبحت حروب اقتصاد ولوجستيات وطاقة ومعلومات بقدر ما هي حروب عسكرية. فأوكرانيا رغم القصف والضغوط استطاعت الحفاظ على الحد الأدنى من استمرار الدولة، من خلال بقاء الكهرباء والاتصالات والإنترنت والخدمات الحكومية والنظام البنكي والإعلام الرسمي. وهذا ما حافظ على تماسك المجتمع ومنع الانهيار الكامل. هذه النقطة بالذات يجب أن تدركها دول الخليج جيدًا، لأن أي أزمة مستقبلية في المنطقة لن تستهدف الجيوش فقط، بل قد تستهدف الموانئ وشبكات الكهرباء ومحطات التحلية وأنظمة الدفع والبنية الرقمية وسلاسل الإمداد. ولذلك فإن بناء اقتصاد قادر على العمل أثناء الأزمات لم يعد ترفًا، بل أصبح جزءًا مباشرًا من مفهوم الأمن القومي الحديث.

أما الدرس الثاني فهو أن الحرب الأوكرانية غيّرت بالكامل مفهوم القوة العسكرية التقليدية، خصوصًا مع الانتشار الواسع للطائرات المسيّرة الرخيصة. فالعالم شاهد كيف استطاعت مسيّرات منخفضة التكلفة نسبيًا أن تدمر دبابات ورادارات وسفنًا ومنشآت حساسة بملايين الدولارات. وهذا التطور يمثل رسالة واضحة لدول الخليج، لأن البنية التحتية الخليجية تعتمد بصورة كبيرة على منشآت الطاقة والغاز والموانئ ومحطات التحلية والمراكز الصناعية، وهي أهداف شديدة الحساسية لأي حرب مستقبلية. لذلك فإن الأمن المستقبلي لن يعتمد فقط على شراء المقاتلات الحديثة أو أنظمة الدفاع التقليدية، بل سيتطلب استثمارات ضخمة في الدفاع ضد المسيّرات والحرب الإلكترونية والذكاء الصناعي وأنظمة التشويش والرصد السريع منخفض التكلفة.

ومن أهم ما كشفته الحرب أيضًا أن العمق اللوجستي قد يكون أحيانًا أهم من القوة العسكرية النظرية. فروسيا تمتلك واحدًا من أكبر الجيوش في العالم، لكن المشاكل اللوجستية وتعطل خطوط الإمداد والنقل أظهرت أن الجيوش الكبيرة قد تتعثر إذا لم تكن تملك مرونة تشغيلية كافية. وهذه النقطة ترتبط مباشرة بما يحدث اليوم في الخليج من مشاريع ضخمة تشمل السكك الحديدية والموانئ العملاقة والمناطق الحرة والتخزين الاستراتيجي وربط الخليج بريًا وبحريًا. فالكثير ينظر إلى هذه المشاريع على أنها مشاريع اقتصادية فقط، بينما الحقيقة أنها تمثل جزءًا من الأمن القومي الخليجي المستقبلي، لأن الدولة التي تستطيع نقل الغذاء والوقود والبضائع والناس أثناء الأزمات هي الدولة الأقدر على الصمود والاستمرار.

الحرب الأوكرانية أثبتت كذلك أن الإعلام والحرب النفسية أصبحا جزءًا رئيسيًا من أي صراع حديث. فأوكرانيا استطاعت تحقيق نجاح كبير في إدارة الرواية الإعلامية عالميًا، وأثرت بصورة واضحة على الرأي العام والأسواق والسياسات الدولية. واليوم أصبحت الشائعة أو الصورة أو الحرب السيبرانية قادرة على إرباك الأسواق والطاقة والاستثمارات أحيانًا أكثر من الضربات العسكرية نفسها. ولهذا فإن دول الخليج تحتاج مستقبلًا إلى بناء إعلام استراتيجي أكثر احترافية وسرعة، قادر على إدارة الأزمات والتعامل مع الحروب المعلوماتية والسيبرانية، خصوصًا أن الخليج منطقة شديدة الحساسية لأي اضطراب نفسي أو اقتصادي بسبب ارتباطه المباشر بالطاقة والأسواق العالمية.

كما كشفت الحرب أن الاكتفاء الجزئي في الغذاء والصناعة والطاقة لم يعد رفاهية اقتصادية، بل أصبح ضرورة استراتيجية. فالعالم خلال الأزمات الكبرى يبدأ أولًا بحماية مصالحه الداخلية، وهو ما ظهر بوضوح في اضطرابات الغذاء والطاقة وسلاسل التوريد العالمية. ولذلك فإن دول الخليج بحاجة إلى تسريع مشاريع الأمن الغذائي والصناعات الوسيطة والصناعات الدفاعية والتخزين الاستراتيجي وتنويع الشركاء التجاريين ومسارات التصدير والاستيراد، حتى لا تتحول أي أزمة بحرية أو سياسية إلى حالة شلل اقتصادي كامل.

وربما أهم درس أظهرته الحرب الأوكرانية أن تماسك المجتمع والثقة الداخلية قد يكونان أخطر من السلاح نفسه. فأوكرانيا استفادت بصورة كبيرة من تماسك المجتمع والشعور الوطني والثقة بالدولة، وهو ما ساعدها على الاستمرار لفترة طويلة رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية الهائلة. وهذه نقطة حساسة جدًا بالنسبة لدول الخليج، لأن الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي يمثل رأس المال الحقيقي للمنطقة. فالدولة قد تمتلك المال والسلاح والتكنولوجيا، لكنها قد تضعف سريعًا إذا فقدت التماسك الداخلي أو الثقة المجتمعية أثناء الأزمات.

الخلاصة أن الحرب الأوكرانية لم تعد مجرد حرب أوروبية بعيدة عن الخليج، بل أصبحت تجربة استراتيجية عالمية تعيد تعريف مفهوم القوة الحديثة. فالقوة اليوم لم تعد فقط في عدد الطائرات والدبابات، بل في قدرة الدولة على حماية اقتصادها وتأمين غذائها وطاقتها وإدارة معلوماتها والحفاظ على استقرار مجتمعها أثناء الأزمات الطويلة. ودول الخليج اليوم تدخل مرحلة تاريخية جديدة تقوم على الموانئ والممرات التجارية والسكك الحديدية والطاقة والذكاء الصناعي وربط الأسواق العالمية، ولذلك فإن أهم درس يمكن أن تتعلمه من الحرب الأوكرانية هو أن الدولة التي تبني المرونة الاقتصادية واللوجستية والتقنية قبل الأزمة… هي الدولة التي تستطيع الصمود عندما تبدأ الأزمة.

المصادر والمراجع: الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟