رؤية اقتصادية لإغلاق هرمز سبع سنوات
كيف نكون جاهزين لأسوأ الاحتمالات؟ رؤية اقتصادية لمواجهة إغلاق مضيق هرمز لسبع سنوات قادمة
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – 18 أكتوبر 2026
إن الاستعداد لأسوأ الاحتمالات يقتضي أن نضع أمامنا فرضية استمرار تعذر تصدير الغاز القطري عبر مضيق هرمز لمدة سبع سنوات، حتى عام 2033، وأن نعيد النظر في مستقبل الاقتصاد على هذا الأساس، دون انتظار حلول قد تأتي أو تتأخر. وهذه فرضية اقتصادية للتخطيط وليست توقعًا مؤكدًا باستمرار الإغلاق طوال تلك المدة.
لقد بنت قطر اقتصادها خلال العقود الماضية على تصدير الغاز الطبيعي المسال، واستثمرت عشرات المليارات في مصانع التسييل والموانئ والناقلات. وكانت الطاقة الإنتاجية الأساسية تبلغ 77 مليون طن سنويًا، مع توسعات تستهدف رفعها إلى 142 مليون طن بحلول عام 2030. ولكن الأزمة الحالية تفرض سؤالًا اقتصاديًا: ما جدوى زيادة الإنتاج إذا أصبحت طرق الوصول إلى الأسواق غير مضمونة؟
أول القرارات التي أراها ضرورية هو وقف التوسعات الجديدة في صناعة التسييل، ومراجعة المشروعات القائمة من حيث الالتزامات المالية والعقود ونسبة الإنجاز، وعدم إلغاء العقود المتقدمة دون حساب تكاليف التعويض. فالأولوية الاقتصادية اليوم ليست زيادة القدرة الإنتاجية، وإنما المحافظة على قيمة الاستثمارات القائمة وتأمين منافذ بديلة للبيع.
أما مصانع التسييل في راس لفان فلا يجوز التخلص منها أو تفكيكها. بل ينبغي تشغيل الوحدات التي تتوافر لها أسواق داخل الخليج، وإيقاف الوحدات الأخرى بصورة فنية آمنة، مع المحافظة على المعدات والخبرات والعمالة الضرورية، حتى يمكن إعادة تشغيلها عندما تتغير الظروف. وتُراجع جدوى إصلاح الوحدات المتضررة بحسب تكلفتها وفرص تسويق إنتاجها.
وتبدأ المعالجة العملية بتصريف جزء من الغاز المسال إلى الكويت والإمارات والبحرين، التي تمتلك مرافق لاستقبال الغاز، مع دراسة احتياجاتها الفعلية وإمكان زيادة مشترياتها. فهذه الأسواق لا تتطلب عبور هرمز، لكنها تحتاج إلى انتظام الملاحة الداخلية وسلامة الموانئ والتأمين. ولن تستطيع وحدها استيعاب كامل الإنتاج القطري، لكنها يمكن أن تحافظ على تشغيل جزء من المصانع وتوفر إيرادات مستمرة.
أما السعودية فإنها تمثل سوقًا صناعية كبيرة وممرًا بريًا رئيسيًا لخطوط الغاز المستقبلية. ويمكن التفاوض معها على شراء الغاز الطبيعي بالأنابيب لتزويد المدن الصناعية ومحطات الكهرباء، ثم دراسة امتداد الشبكة إلى الكويت والأردن ومصر وتركيا. ويقدم مشروع دولفين، الذي ينقل الغاز القطري إلى الإمارات وعُمان، تجربة قائمة يمكن الاستفادة منها في تطوير شبكة خليجية أوسع.
ومن المهم أن تتحول هذه الأنابيب إلى مشروعات اقتصادية مشتركة، تشارك الدول المستقبلة والعابرة في ملكيتها وتمويلها وتشغيلها، وأن يحصل مواطنوها على فرص للاستثمار والعمل وتأسيس الشركات. فكلما اتسعت المصالح الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة باستمرار تدفق الغاز، ازدادت الحوافز للمحافظة على المشروع، دون الاستغناء عن اتفاقيات العبور والضمانات القانونية.
وهناك خيار آخر يحتاج إلى دراسة طويلة الأجل، وهو نقل الغاز الطبيعي بالأنابيب إلى موانئ خارج هرمز، سواء في عُمان أو على البحر الأحمر، وإنشاء مرافق تسييل جديدة هناك. لكنه خيار مكلف يتطلب استثمارات ضخمة واتفاقيات طويلة الأجل، ولا يمكن اعتماده قبل مقارنة تكلفته بعوائد البيع المباشر بالأنابيب.
وخلال هذه المرحلة ينبغي تخفيض إنتاج الغاز الذي لا توجد له أسواق، بطريقة هندسية تحافظ على سلامة الحقول، والاستفادة من الغاز المتاح في الصناعات المحلية، خصوصًا الأسمدة والبتروكيماويات والكهرباء والتبريد. لكن توسيع هذه الصناعات يجب أن يرتبط بوجود مشترين ومنافذ تصدير، حتى لا نستبدل مشكلة تسويق الغاز بمشكلة تسويق المنتجات الصناعية.
أما الموازنة العامة فتحتاج إلى إعادة إعداد من الصفر. فقد قُدرت إيرادات عام 2026 بنحو 199 مليار ريال، منها 155 مليارًا من النفط والغاز. وإذا استمر تعطل معظم الصادرات سنوات طويلة، فلا يمكن المحافظة على مستويات الإنفاق السابقة دون مراجعة شاملة.
ويقتضي ذلك تأجيل المشروعات غير الضرورية، وتخفيض المصروفات التشغيلية التي لا تحقق منفعة اقتصادية واضحة، وحماية الإنفاق على التعليم والصحة والخدمات الأساسية، مع إدارة السيولة والديون والاستثمارات الخارجية بحذر، حتى لا تتحول أزمة الإيرادات إلى أزمة مالية أوسع.
ولا تقل الواردات أهمية عن الصادرات، لأن الاقتصاد يحتاج إلى الغذاء والدواء والمعدات وقطع الغيار. ولذلك يجب تطوير الممرات البرية عبر السعودية والإمارات، والاستفادة من الموانئ العُمانية، وتوفير مخزونات استراتيجية تضمن استمرار المصانع والخدمات والأسواق.
وتتطلب السنوات السبع مراجعة اقتصادية دورية كل ستة أشهر، تقارن بين إيرادات الغاز المسال داخل الخليج، وعوائد التصدير بالأنابيب، وتكاليف صيانة المصانع المتوقفة، ومدى تقدم المشروعات البديلة. كما يجب الاستعداد لعودة الملاحة في أي وقت، دون التخلي عن تنويع منافذ التصدير.
إن الاستعداد لأسوأ الاحتمالات لا يعني إنهاء صناعة الغاز المسال، وإنما إنهاء الاعتماد الاقتصادي على طريق واحد. فالهدف هو المحافظة على الثروة الوطنية، وحماية إيرادات الاقتصاد، وفتح أسواق جديدة، وتوجيه الاستثمارات نحو مشروعات يمكن استمرار تشغيلها مهما تغيرت الظروف.
وبعد سبع سنوات، يجب ألا يكون معيار النجاح عدد مصانع التسييل التي أضفناها، بل مقدار ما حافظنا عليه من إيرادات واستثمارات وفرص عمل، وقدرتنا على تحويل الغاز القطري إلى مصدر مستدام للنمو الاقتصادي، دون أن يبقى مستقبلنا مرهونًا بفتح مضيق هرمز أو إغلاقه.
المراجع: بيانات قطر للطاقة بشأن توسعات الإنتاج وأضرار راس لفان ، وبيانات الموازنة العامة لعام 2026 ، وشركة دولفين للطاقة بشأن شبكة الأنابيب الخليجية ، وتقرير رويترز بتاريخ 12 أكتوبر 2026 بشأن استمرار اضطرابات صادرات الغاز .
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment