حين انقلب سلاح هرمز على إيران
حين انقلب سلاح هرمز على إيران
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – 24 سبتمبر 2026
منذ بداية المواجهة، كان مضيق هرمز يمثل لإيران واحدًا من أقوى أسلحتها الاستراتيجية. فإيران قد لا تستطيع مجاراة الولايات المتحدة وحلفائها في القوة العسكرية التقليدية، لكنها تجلس على الضفة الشمالية لأحد أهم الممرات البحرية في العالم. ومن هنا قامت الاستراتيجية الإيرانية منذ عقود على معادلة بسيطة: إذا تعرضت إيران للخنق، فإنها تستطيع أن تجعل خنقها مكلفًا للعالم كله.
وكان هرمز هو الأداة المناسبة لهذه المعادلة. فتعطيل الملاحة فيه لا يصيب دولة واحدة، وإنما يمتد أثره إلى منتجي النفط في الخليج، وإلى الصين والهند واليابان وكوريا وأوروبا، ثم ينتقل إلى أسعار الوقود والنقل والصناعة والتضخم في أنحاء العالم. ولذلك ظل التهديد بهرمز جزءًا أساسيًا من الردع الإيراني.
لكن المشكلة في الأسلحة الاقتصادية أنها تختلف عن الصواريخ. فالصاروخ ينطلق نحو الخصم، أما تعطيل التجارة فقد يرتد جزء من أضراره على من يستخدمه. وهذا ما بدأ يظهر في الحالة الإيرانية.
إيران دولة منتجة للنفط والغاز والبتروكيماويات، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى الموانئ والسفن والتجارة الخارجية والعملات الصعبة واستيراد السلع والمواد والمعدات. وعندما تتعرض موانئها للحصار وتزداد المخاطر على السفن التي تتعامل معها وترتفع تكاليف التأمين والنقل، فإن الضغط لا يقع على خصومها وحدهم، بل يدخل تدريجيًا إلى الاقتصاد الإيراني نفسه.
وهنا حدث التحول المهم في معادلة هرمز.
في بداية الأزمة كانت إيران تراهن على أن العالم يحتاج إلى المضيق أكثر مما تحتاج إليه هي. وهذه الفرضية صحيحة إلى حد كبير على المدى القصير، لأن كمية ضخمة من تجارة الطاقة العالمية تعتمد على الخليج. ولكن كل أزمة طويلة تدفع الدول إلى البحث عن البدائل.
السعودية تستطيع زيادة أهمية خط الشرق–الغرب باتجاه البحر الأحمر. والإمارات لديها منفذ نفطي يتجاوز هرمز باتجاه الفجيرة. والدول المستهلكة تستطيع تعديل مصادر وارداتها، واستخدام مخزوناتها، وإعادة ترتيب خطوط الشحن. وهذه البدائل لا تستطيع تعويض هرمز بالكامل، لكنها تقلل تدريجيًا من قدرة طرف واحد على استخدام المضيق كسلاح مطلق.
وهذا هو الخطر الذي تواجهه إيران. فكل شهر يستمر فيه تعطيل هرمز يدفع الآخرين إلى إنفاق المزيد من الأموال لبناء البدائل، بينما يستمر الحصار في الضغط على الاقتصاد الإيراني.
ومن هنا يمكن فهم استعداد طهران لوضع إعادة فتح المضيق على طاولة التفاوض مقابل تخفيف الضغط العسكري ورفع الحصار عن موانئها. المسألة ليست بالضرورة استسلامًا، كما أنها ليست انتصارًا. إنها محاولة لتحويل أصل استراتيجي بدأ يصبح مكلفًا إلى ورقة تفاوضية قبل أن تتراجع قيمتها.
فالسياسة الذكية في إدارة أوراق الضغط لا تقوم على الاحتفاظ بالورقة إلى الأبد، وإنما على معرفة اللحظة التي يجب فيها استبدالها بمكاسب حقيقية.
إذا كانت إيران تستطيع اليوم أن تقول: نعيد الملاحة الطبيعية مقابل رفع الحصار وتخفيف الضغط العسكري وفتح المجال أمام تجارتنا، فإنها تحاول بيع ورقة هرمز وهي لا تزال مرتفعة القيمة. أما إذا انتظرت سنوات حتى تنشئ دول الخليج مزيدًا من خطوط الأنابيب والموانئ البديلة، وتعيد الدول الآسيوية توزيع مصادر الطاقة، فإن قيمة الورقة نفسها قد تنخفض.
لكن هناك جانبًا آخر لا ينبغي تجاهله. الولايات المتحدة والدول الغربية والاقتصادات الآسيوية أيضًا لا تستطيع التعامل مع اضطراب هرمز وكأنه بلا تكلفة. ارتفاع أسعار النفط لا يبقى في أسواق الطاقة، بل ينتقل إلى أسعار الطيران والشحن والصناعة والكهرباء والمواد الغذائية، ثم يظهر في معدلات التضخم والنمو الاقتصادي.
لذلك أصبحت هناك مصلحة مشتركة، وإن اختلفت الأسباب، في الوصول إلى تسوية. إيران تريد التنفس اقتصاديًا، ودول الخليج تريد تصدير طاقتها بأمان، وآسيا تريد استمرار الإمدادات، والولايات المتحدة لا تريد أزمة طاقة عالمية طويلة.
وهنا يتحول هرمز من ساحة للصراع إلى جزء من الصفقة.
لكن أخطر ما كشفته الأزمة هو أن إغلاق المضيق لا يمكن أن يكون استراتيجية اقتصادية دائمة لإيران. فهو قادر على إحداث صدمة عالمية هائلة، وربما يكون فعالًا جدًا لفترة محدودة، لكنه كلما طال استخدامه بدأ يفقد بعض مزاياه.
فالخصوم يتكيفون.
وكل برميل نفط يستطيع العالم إخراجه عبر البحر الأحمر أو بحر العرب بدلًا من هرمز يقتطع جزءًا صغيرًا من قوة الورقة الإيرانية. وكل خط أنابيب جديد، وكل توسعة في ميناء خارج الخليج، وكل زيادة في المخزونات الاستراتيجية، تعني أن العالم يتعلم كيف يعيش بدرجة أقل من الاعتماد على المضيق.
وهذا درس ينبغي أن تنتبه إليه دول الخليج نفسها. فالاعتماد المفرط على هرمز ليس مشكلة إيرانية فقط، بل نقطة ضعف استراتيجية للاقتصادات الخليجية. وما حدث يجب أن يعيد بقوة مشروع إنشاء شبكة واسعة من خطوط الأنابيب التي تنقل النفط والغاز من الخليج إلى البحر الأحمر وبحر العرب، بحيث لا يبقى اقتصاد المنطقة كله رهينة ممر بحري واحد.
أما بالنسبة لإيران، فإن المفارقة أصبحت واضحة. لقد بنت جزءًا كبيرًا من قوة ردعها على قدرتها على القول للعالم: إذا حاصرتموني سأغلق الطريق أمامكم. لكن عندما طال الصراع، اكتشفت أن الطريق نفسه هو أحد الطرق التي تحتاج إليها للخروج من الحصار.
ولهذا فإن الحديث عن فتح هرمز لا ينبغي تفسيره ببساطة باعتباره رفعًا للراية البيضاء. إيران تحاول أن تستخدم ما تبقى من قوة الورقة للحصول على أفضل شروط ممكنة قبل التخلي عن استخدامها العسكري.
لكن مجرد وصول الأمور إلى هذه المرحلة يحمل دلالة اقتصادية مهمة. فالحصار بدأ يغير حسابات التكلفة، وأصبح استمرار المواجهة يفرض ثمنًا متزايدًا على إيران كما يفرضه على خصومها.
لقد استطاعت إيران أن تثبت أن هرمز قادر على إيلام العالم، لكن العالم بدأ بدوره يثبت لإيران أنه يستطيع البحث عن طرق تقلل اعتماده عليه.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في هذه الأزمة: السلاح الذي صُمم لخنق الخصم قد يتحول، إذا طال استخدامه، إلى حصار على صاحبه.
ولذلك قد لا يكون السؤال الحقيقي اليوم: من أغلق هرمز ومن سيفتحه؟
السؤال الأهم هو: من يحتاج إلى فتحه أكثر؟
المصادر والمراجع: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ الأمم المتحدة، اتفاقية قانون البحار (الأحكام المتعلقة بالمضائق)؛ الأونكتاد، مراجعة النقل البحري 2025.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment