كامب ديفيد وحدود انضمام مصر إلى تحالف إقليمي

كامب ديفيد تكبّل مصر.. لماذا لا تستطيع القاهرة الانضمام كاملًا إلى حلف السعودية وتركيا وباكستان؟

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع

الدوحة – 9 أغسطس 2026

مع ظهور الحلف الدفاعي الجديد بين السعودية وتركيا وباكستان، بدأ الحديث عن احتمال انضمام مصر باعتبارها واحدة من أكبر القوى العسكرية في المنطقة، ووجودها سيمنح الحلف وزنًا عربيًا وعسكريًا وجغرافيًا كبيرًا. لكن هذا الاحتمال يصطدم بعقبة حقيقية لا يجوز تجاهلها أو اختصارها في الحديث عن إجراءات فنية، وهي التزامات مصر بموجب معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية الموقعة عام 1979.

السؤال يجب أن يكون مباشرًا: هل تستطيع مصر الانضمام إلى حلف دفاعي كامل مع السعودية وتركيا وباكستان، إذا كان الحلف يقوم على مبدأ أن الاعتداء على دولة عضو يعتبر اعتداءً على بقية الأعضاء؟ الجواب، مع استمرار معاهدة 1979 بصيغتها الحالية، هو أن مصر لا تستطيع تحمل الالتزام الدفاعي نفسه دون أن يظهر تعارض في الحالة التي تكون فيها إسرائيل هي الطرف المهاجم.

الحلف الدفاعي ليس مجرد تعاون سياسي أو تدريبات عسكرية. جوهره أن تتعهد الدول بالدفاع عن بعضها عند وقوع العدوان. فإذا تعرضت السعودية لهجوم، تتحرك الدول الأخرى لمساندتها وفق الاتفاق، والأمر نفسه ينطبق على تركيا وباكستان. وإذا أصبحت مصر عضوًا كاملًا، فيفترض أن تتحمل الالتزام نفسه دون تمييز بين دولة معتدية وأخرى.

وهنا يكفي وضع سيناريو واحد لاختبار الأمر: ماذا يحدث إذا هاجمت إسرائيل تركيا وطلبت أنقرة من حلفائها تطبيق اتفاق الدفاع المشترك؟ السعودية وباكستان ليستا مقيدتين تجاه إسرائيل بمعاهدة مماثلة للمعاهدة المصرية، أما مصر فتجد نفسها أمام التزامات قانونية سابقة تجاه إسرائيل.

المادة الثالثة من معاهدة السلام لا تقتصر على منع مصر وإسرائيل من مهاجمة أراضي بعضهما. فهي تلزم الطرفين بالامتناع عن التهديد بالقوة أو استخدامها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كما تتضمن التزامًا بعدم تنظيم أو تحريض أو مساعدة أو المشاركة في أعمال عدائية ضد الطرف الآخر. ولهذا فإن دخول مصر في عمليات عسكرية ضد إسرائيل دفاعًا عن تركيا لا يمكن فصله بسهولة عن التزاماتها القائمة منذ عام 1979.

وتصبح المسألة أكثر وضوحًا عند قراءة المادة السادسة من المعاهدة. فهي تلزم الطرفين بعدم الدخول في التزامات تتعارض مع معاهدة السلام، كما تعالج حالة التعارض بينها وبين التزامات دولية أخرى. وهذا يعني أن المشكلة ليست في أن كامب ديفيد تحتوي عبارة تقول: «مصر ممنوعة من دخول الأحلاف العسكرية»؛ فمثل هذه العبارة غير موجودة. المشكلة الحقيقية أن مصر لا تستطيع أن تعطي حلفًا جديدًا التزامًا يتعارض مع التزام دولي سابق ما زال نافذًا.

لهذا يجب التمييز بين التعاون العسكري وبين الحلف الدفاعي الملزم. تستطيع مصر أن تتدرب مع القوات السعودية والتركية والباكستانية، وأن تتبادل معها المعلومات، وأن تدخل في مشاريع للصناعات العسكرية، وأن تنسق معها سياسيًا وأمنيًا. لكن الانتقال من التعاون إلى التعهد بأن «الهجوم على أحدنا هجوم علينا جميعًا» يفتح مسألة مختلفة تمامًا.

إذا دخلت مصر الحلف مع استثناء إسرائيل، فقد يُحل جانب من التعارض القانوني، لكن مصر عندها لن تقدم لبقية الأعضاء الضمان الدفاعي نفسه الذي يقدمونه لبعضهم. فتركيا مثلًا ستعرف أن مصر تستطيع الوقوف معها إذا هاجمتها دولة أخرى، لكنها قد لا تستطيع الوفاء بالالتزام نفسه إذا كان المهاجم إسرائيل. وهذا يجعل العضوية المصرية مقيدة منذ البداية.

أما الدول الثلاث الأخرى فموقفها مختلف. باكستان لا تعترف رسميًا بإسرائيل، والسعودية ليست مرتبطة معها بمعاهدة سلام مماثلة للمعاهدة المصرية، وتركيا رغم علاقاتها الدبلوماسية المتقلبة مع إسرائيل ليست مرتبطة باتفاق سلام من النوع الذي يحكم العلاقة المصرية–الإسرائيلية. لذلك فإن القيود القانونية الواقعة على القاهرة ليست مماثلة للقيود الواقعة على الرياض أو أنقرة أو إسلام آباد.

هذه القضية تكشف أثرًا استراتيجيًا مهمًا لمعاهدة مر عليها ما يقارب نصف قرن. عند توقيع معاهدة السلام عام 1979 كان الهدف الأساسي إنهاء حالة الحرب واستعادة مصر لسيناء وترتيب علاقة جديدة مع إسرائيل. لكن الاتفاقيات الدولية لا تنتهي آثارها بانتهاء الظروف التي ولدت فيها؛ فهي تستمر في تقييد حركة الدول ما دامت قائمة.

واليوم تغير الشرق الأوسط بصورة كبيرة. السعودية تبحث عن توسيع خياراتها الأمنية، وتركيا أصبحت قوة عسكرية وصناعية كبرى في المنطقة، وباكستان تمتلك السلاح النووي وجيشًا ضخمًا، وهناك اتجاه متزايد لبناء ترتيبات أمنية إقليمية تقلل الاعتماد المطلق على المظلات الخارجية. ومن الطبيعي في هذه البيئة أن يطرح اسم مصر، صاحبة أكبر كتلة سكانية عربية وأحد أكبر الجيوش في المنطقة.

لكن قوة الجيش المصري ليست هي المشكلة. المسألة تتعلق بحرية القرار الاستراتيجي المصري. فالدولة التي تدخل حلفًا للدفاع الجماعي يجب أن تستطيع أن تقول لحلفائها بوضوح إنها ستقف معهم إذا تعرضوا للعدوان. وإذا كان هناك طرف مستثنى عمليًا بسبب معاهدة سابقة، فإن طبيعة العضوية نفسها تصبح موضع سؤال.

ولهذا فإن القول إن انضمام مصر إلى الحلف مسألة سهلة أو مجرد ترتيبات فنية لا يقدم الصورة كاملة. العقبة الحقيقية موجودة في العلاقة القانونية التي أنشأتها معاهدة 1979 بين مصر وإسرائيل. وأي مفاوضات جدية حول عضوية مصر الكاملة ستحتاج إلى التعامل مع هذه المسألة قبل الحديث عن الجيوش والقواعد والقيادة المشتركة.

المفارقة أن مصر، بثقلها العسكري والجغرافي والتاريخي، تبدو واحدة من أكثر الدول الطبيعية للانضمام إلى منظومة تجمع السعودية وتركيا وباكستان، لكنها في الوقت نفسه الدولة التي تحمل قيدًا قانونيًا لا تحمله الدول الثلاث الأخرى تجاه إسرائيل.

لذلك فإن السؤال الصحيح ليس هل تستطيع مصر التعاون مع هذا الحلف؛ فهي تستطيع ذلك على نطاق واسع. السؤال هو هل تستطيع أن تصبح عضوًا كامل الالتزامات فيه إذا كان الدفاع المشترك يشمل مواجهة أي دولة تعتدي على أحد أعضائه؟

مع استمرار معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية بصيغتها الحالية، لا تستطيع مصر تقديم هذا الالتزام بصورة كاملة وغير مشروطة إذا كان المعتدي إسرائيل.

وهذه ليست مسألة عاطفية، ولا موقفًا مع السلام أو ضده، وإنما نتيجة استراتيجية لاتفاقية وقعتها مصر عام 1979 وما زالت نافذة حتى اليوم. فإذا أرادت القاهرة يومًا أن تكون جزءًا كاملًا من منظومة دفاع جماعي لا تستثني أي معتدٍ، فإن مسألة تعارض الالتزامات مع معاهدة 1979 ستكون من أول الملفات التي يجب حسمها.

لقد تغيرت خريطة التحالفات في المنطقة، لكن القيود التي وُضعت قبل قرابة نصف قرن ما زالت تؤثر في الخيارات الاستراتيجية المصرية حتى اليوم.

المصادر والمراجع: حلف شمال الأطلسي، الموقع الرسمي والسياسات؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟