زيارة خالد بن سلمان إلى طهران: هل بدأ سقوط مدرسة التوازن بالقوة الخارجية؟
زيارة خالد بن سلمان إلى طهران: هل بدأ سقوط مدرسة التوازن بالقوة الخارجية؟
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – 26 أكتوبر 2026
قد يسجل التاريخ يوم 26 أكتوبر 2026 باعتباره محطة مهمة في إعادة التفكير بمفهوم الأمن الخليجي. ففي هذا اليوم أعلنت السعودية مشاركة وزير دفاعها الأمير خالد بن سلمان في اجتماعات طهران، إلى جانب قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، للبحث مع القيادة الإيرانية في مستقبل الأمن والاستقرار الإقليمي.
ليست أهمية الحدث في زيارة وزير دفاع سعودي إلى إيران، بل في أن الرياض تتوجه إلى طهران ضمن تجمع دفاعي يضم السعودية وتركيا وباكستان، بينما تتصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وتتعرض السعودية لهجمات الحوثيين، وتواجه المنطقة تهديدات متزايدة لأمن الطاقة والملاحة البحرية.
ولفهم أبعاد هذه الزيارة، لا بد من العودة إلى مدرسة استراتيجية حكمت جانباً كبيراً من التفكير الأمني الخليجي طوال العقود الماضية، وهي مدرسة التوازن بالقوة الخارجية.
قامت هذه المدرسة على افتراض أن الدول الخليجية، بحكم حجمها السكاني وموقعها الجغرافي وثرواتها النفطية، تحتاج إلى قوة عظمى تضمن أمنها في مواجهة القوى الإقليمية الأكبر.
وقد وفرت الولايات المتحدة مظلة دفاعية مهمة، وأنشأت قواعد عسكرية، وباعت أسلحة متطورة، وعقدت اتفاقيات أمنية واسعة. لكن هذه العلاقات انطوت على تناقض جوهري لم يحظ بالاهتمام الكافي: مصالح القوة الحامية ليست بالضرورة مطابقة لمصالح الدول التي تحميها.
فالولايات المتحدة تنظر إلى الخليج من خلال مصالحها العالمية، وعلاقاتها بإسرائيل، ومنافستها للصين وروسيا، وحسابات اقتصادها الداخلي، بينما تنظر الدول الخليجية إلى الأمن باعتباره شرطاً لبقائها واستمرار اقتصاداتها وحياة مواطنيها.
وهنا تكمن مشكلة التوازن بالقوة الخارجية. تستطيع القوة الحامية مواجهة تهديد عسكري عاجل، لكنها قد تكون طرفاً في صناعة أزمة جديدة، أو توسيع حرب قائمة، أو فرض تسوية تخدم مصالحها أكثر مما تخدم أمن حلفائها.
وقد كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في فبراير 2026، جانباً خطيراً من هذا التناقض. فالدول الخليجية التي لم تكن صاحبة القرار في إشعال الحرب وجدت نفسها تواجه تداعياتها العسكرية والاقتصادية، وتتلقى بعض أراضيها ومنشآتها تهديدات مباشرة، بينما تتعرض أسواق الطاقة والممرات البحرية لاضطرابات بالغة.
وهذا يفرض إعادة النظر في مفهوم الحماية الخارجية، لا باعتبارها عديمة الفائدة، بل باعتبارها غير كافية لبناء أمن مستدام.
في 10 مارس 2023 استعادت السعودية وإيران علاقاتهما الدبلوماسية بوساطة صينية، وكان ذلك أول تحول استراتيجي مهم في الاتجاه نحو معالجة الخلافات الإقليمية بالحوار المباشر.
ثم جاء 7 أغسطس 2026، عندما وقعت السعودية وباكستان وتركيا اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي تعتبر الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على جميعها.
ويكشف الجمع بين هذين الحدثين وزيارة طهران عن احتمال نشوء مدرسة أمنية جديدة، تجمع بين قوة الردع والتفاهم الإقليمي، بدلاً من الاكتفاء باستدعاء القوى الخارجية كلما ظهرت أزمة.
ولعل أهم ما في زيارة خالد بن سلمان أنها تحمل رسالة تتجاوز العلاقات السعودية الإيرانية. فالدول الثلاث التي أقامت تحالفاً دفاعياً فيما بينها تتجه إلى طهران للتفاوض، لا لإعلان مواجهة عسكرية معها.
وهذا تطور يستحق التأمل. فالتحالف الدفاعي هنا قد يتحول من أداة لموازنة القوة الإيرانية وحدها إلى وسيلة لفتح تفاهمات إقليمية من موقع أكثر قدرة على التفاوض.
لكن نجاح هذه المدرسة الجديدة مشروط بألا تستبدل المنطقة تبعية أمنية خارجية بتبعية أخرى، وألا تتحول الاتفاقيات الدفاعية إلى تجمعات متنافسة تستنسخ الانقسامات السابقة.
فالأمن الخليجي لا يمكن أن يستقر بمجرد تقارب الرياض وطهران، ولا بمجرد انضمام تركيا وباكستان إلى ترتيبات دفاعية جديدة. هناك ست دول خليجية تتشارك المصير الجغرافي والاقتصادي، ولا يمكن أن ينجح أي نظام أمني شامل إذا بقيت بعض دولها خارج عملية صياغته.
وهنا تظهر أهمية الدور القطري. فقد أعلنت السعودية أن اجتماعات طهران تستهدف أيضاً دعم الوساطة التي تقوم بها قطر وباكستان. وهذا يعني أن الدبلوماسية القطرية أصبحت جزءاً من الجهود الرامية إلى احتواء الصراع الأوسع، حتى وإن لم تكن قطر طرفاً في اتفاقية مكة الدفاعية.
أما سلطنة عمان، فإن موقعها عند مضيق هرمز وخبرتها الطويلة في الوساطة يجعلان مشاركتها في أي تصور مستقبلي للأمن الإقليمي ضرورة جغرافية وسياسية.
ولا يمكن تجاهل اليمن. فالأمن الذي يُبحث في طهران لن يكتسب مصداقيته ما لم ينعكس على وقف الاعتداءات العابرة للحدود، ومنع استخدام الأراضي اليمنية لتهديد السعودية والملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
وينطبق المبدأ نفسه على مضيق هرمز. فحرية الملاحة فيه ليست منحة تقدمها دولة لأخرى، وإنما ضرورة اقتصادية عالمية، وركيزة أساسية لاستقرار الدول المطلة عليه.
وإذا أرادت إيران أن تكون شريكاً في أمن إقليمي مستدام، فإن عليها تقديم التزامات عملية قابلة للتحقق باحترام سيادة الدول، وعدم دعم الهجمات عبر الجماعات المسلحة، وضمان أمن الممرات البحرية.
في المقابل، تحتاج دول الخليج إلى بناء قدرة دفاعية جماعية حقيقية، وتنسيق استخباراتي وعسكري واقتصادي، يجعلها قادرة على حماية مصالحها والتفاوض بشأن أمنها دون الارتهان لقرارات القوى الكبرى.
ولا يعني ذلك قطع العلاقات مع الولايات المتحدة أو الاستغناء عن التعاون العسكري الغربي، بل إعادة تحديد هذه العلاقات لتصبح شراكات تخدم الأمن الخليجي، لا علاقات تجعل أمن الخليج تابعاً لأولويات الصراعات الدولية.
زيارة خالد بن سلمان إلى طهران ليست إعلاناً عن انهيار مدرسة التوازن بالقوة الخارجية، ولم تُثبت بعد ولادة نظام أمني بديل. ولكنها تكشف أن المنطقة بدأت تختبر خيارات أخرى لم تكن تحتل المكانة نفسها في حساباتها السابقة.
والفارق التاريخي هنا كبير: أن تنتظر دول الخليج من القوى الكبرى تحديد مصير أمنها، أو أن تشارك بنفسها في صياغة التفاهمات والضمانات التي تحمي مستقبلها.
إن التحدي الحقيقي ليس في نجاح اجتماع طهران وحده، وإنما في تحويل هذا الاجتماع إلى بداية انتقال استراتيجي من استيراد الأمن إلى المشاركة في إنتاجه.
فالدول التي تمتلك الثروة والطاقة والموقع الجغرافي المؤثر في الاقتصاد العالمي يجب أن تمتلك أيضاً القدرة الجماعية على حماية هذه المصالح.
وقد تكون زيارة 26 أكتوبر بداية هذا التحول، لكن التاريخ لن يحكم عليها بما صدر من تصريحات، وإنما بما سيتبعها من التزامات ونتائج على الأرض.
استندت الوقائع المتعلقة باجتماعات طهران واتفاقية مكة إلى تقارير رويترز وأسوشيتد برس، والتصريحات السعودية المنشورة اليوم. واستندت الخلفية التاريخية إلى تقارير رويترز عن اتفاق بكين عام 2023 واتفاقية الدفاع المشترك في أغسطس 2026. أما الاستنتاج بشأن التحول في المدرسة الأمنية فهو تحليل استراتيجي، وليس موقفاً رسمياً معلناً.
المصادر والمراجع: الأمم المتحدة، ميثاق الأمم المتحدة؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment