هل نحن ذاهبون حقًا إلى حرب برية شاملة ضد إيران

هل نحن ذاهبون حقًا إلى حرب برية شاملة ضد إيران؟

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة – 7 يونيو 2026

كثرت في الآونة الأخيرة التحليلات التي تتحدث عن أن الولايات المتحدة تستعد لحرب برية واسعة داخل إيران، وأن ما يجري في العراق وسوريا والمنطقة ليس إلا مرحلة تمهيدية لهذه المواجهة الكبرى. ورغم أن هذه القراءة تبدو مترابطة ومنطقية للوهلة الأولى، فإنها تقوم على سلسلة طويلة من الافتراضات أكثر مما تقوم على حقائق مؤكدة على الأرض.

أول ما يجب الانتباه إليه أن الولايات المتحدة نفسها خرجت من تجربتين مكلفتين في العراق وأفغانستان، وتركت خلفها دروسًا عسكرية وسياسية لا تزال مؤسساتها الأمنية تستحضرها حتى اليوم. فإسقاط الأنظمة شيء، وإدارة الدول بعد إسقاطها شيء آخر أكثر تعقيدًا وكلفة.

إيران ليست دولة صغيرة أو معزولة يمكن التعامل معها وفق نماذج الحروب السابقة. فهي دولة واسعة المساحة، كبيرة السكان، تمتلك بنية عسكرية وصاروخية متراكمة عبر عقود، وتتميز بطبيعة جغرافية تجعل أي عملية برية واسعة من أعقد العمليات العسكرية الممكنة في العصر الحديث.

لذلك فإن الحديث عن اجتياح بري شامل لا ينبغي التعامل معه وكأنه قرار جاهز للتنفيذ، بل باعتباره أحد السيناريوهات المحتملة ضمن مجموعة واسعة من الخيارات السياسية والعسكرية والاقتصادية.

أما الربط بين ملف السلاح داخل العراق وبين التحضير لغزو إيران، فهو تفسير سياسي ممكن، لكنه ليس التفسير الوحيد. فالولايات المتحدة تدعو منذ سنوات إلى حصر السلاح بيد الدولة العراقية، كما تدعو الحكومات العراقية المتعاقبة إلى تعزيز سلطة المؤسسات الرسمية وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة. وهذه السياسة سبقت التوترات الحالية بسنوات طويلة.

كذلك فإن المشهد الإقليمي أكثر تعقيدًا من أن يختزل في خطة واحدة أو هدف واحد. فتركيا تملك حساباتها الخاصة، ودول الخليج تنظر إلى أمن المنطقة من زاوية مختلفة، وروسيا والصين تمتلكان مصالح استراتيجية مستقلة، والعراق نفسه ليس مجرد ساحة تتحرك عليها القوى الدولية دون قيود أو اعتبارات داخلية.

ومن الخطأ الاعتقاد أن جميع الأطراف تتحرك وفق رؤية أمريكية موحدة أو أن المنطقة بأكملها تتجه بالضرورة نحو حرب شاملة. فالتاريخ مليء بأزمات بدت على وشك الانفجار ثم انتهت إلى تسويات سياسية أو تفاهمات مؤقتة أعادت ترتيب موازين القوى دون اللجوء إلى مواجهة مباشرة.

الحقيقة أن ما يجري اليوم قد يكون أقرب إلى إعادة رسم للتوازنات الإقليمية منه إلى التحضير لحرب برية واسعة. فالعقوبات الاقتصادية، والضغوط السياسية، وإعادة بناء التحالفات، وتطوير مسارات الطاقة والتجارة، كلها أدوات تستخدمها القوى الكبرى لتحقيق أهدافها دون تحمل أعباء الحرب التقليدية.

ولهذا فإن الجزم بأن المنطقة ذاهبة حتمًا إلى مواجهة شاملة قد يكون مبالغة في قراءة المشهد. فالحروب ليست قدرًا محتومًا، كما أن التسويات ليست مستحيلة. وبين هذين الخيارين تتحرك الدول وفق مصالحها وحساباتها المتغيرة.

إن التحليل الرصين لا يبدأ من افتراض أن الحرب قادمة لا محالة، بل من دراسة جميع الاحتمالات الممكنة، لأن السياسة الدولية لا تسير في خط مستقيم، ولأن أكثر ما يميز الشرق الأوسط هو قدرته الدائمة على مفاجأة الجميع، سواء بالحروب أو بالتسويات.

ويبقى السؤال الحقيقي: هل تسعى القوى الكبرى إلى إسقاط الأنظمة بالقوة العسكرية، أم أنها تسعى إلى إعادة تشكيل سلوكها وبيئتها الاستراتيجية بأدوات أقل كلفة وأكثر استدامة؟ الإجابة عن هذا السؤال قد تكون مفتاح فهم المرحلة المقبلة أكثر من أي توقعات عن حرب وشيكة أو اجتياح شامل.

المصادر والمراجع: الأمم المتحدة، ميثاق الأمم المتحدة؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟