صلابة الأوكرانيين.. الدرس الذي فاجأ العالم

صلابة الأوكرانيين.. الدرس الذي فاجأ العالم

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة – 8 يونيو 2026

منذ الأيام الأولى للحرب الروسية الأوكرانية، انشغل المحللون العسكريون بمقارنة عدد الدبابات والطائرات والصواريخ بين الطرفين. وكانت معظم التوقعات تميل إلى أن روسيا، بحجمها وسكانها وقدراتها العسكرية الهائلة، ستحسم المعركة سريعًا. لكن ما حدث على الأرض كشف حقيقة مختلفة تمامًا.

أحد أهم الدروس التي أبرزتها الحرب، كما أشار الكاتب والمحلل السياسي العالمي فريد زكريا، هو أن قوة الدول لا تُقاس فقط بمساحتها الجغرافية أو حجم جيوشها، بل بقدرة شعوبها على الصمود والتحمل والإصرار على الدفاع عن أوطانها.

لقد واجه الأوكرانيون قوة عسكرية أكبر منهم بكثير، ومع ذلك لم تنهَر الدولة، ولم تتفكك مؤسساتها، ولم يتوقف المجتمع عن العمل. واستمرت المدارس والجامعات والدوائر الحكومية والخدمات الأساسية رغم القصف والدمار والنزوح والخسائر البشرية الكبيرة.

هذا الصمود لم يكن عسكريًا فقط، بل كان نفسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا. فقد أظهر الأوكرانيون قدرة استثنائية على التكيف مع الظروف القاسية وتحويل الأزمة إلى دافع للمقاومة والاستمرار. وفي كثير من الأحيان كان العامل المعنوي أكثر تأثيرًا من التفوق المادي.

لقد اعتادت القوى الكبرى عبر التاريخ الاعتماد على المساحة والموارد والسلاح كعناصر حاسمة في الحروب. لكن الحرب الأوكرانية أعادت التذكير بحقيقة قديمة مفادها أن الشعوب التي تؤمن بقضيتها وتتمسك بأرضها تستطيع أن تغيّر حسابات القوى العظمى وتربك خططها مهما كان حجم الفارق في الإمكانات.

كما أظهرت الحرب أن الإرادة الوطنية أصبحت في العصر الحديث جزءًا من منظومة الردع. فالدولة التي تمتلك مجتمعًا متماسكًا ومؤسسات قادرة على العمل تحت الضغط تملك عنصر قوة لا يقل أهمية عن الجيوش والأسلحة.

ولهذا فإن الدرس الأوكراني لا يخص أوكرانيا وحدها، بل يمتد إلى جميع الدول. فبناء الإنسان وتعزيز الهوية الوطنية وترسيخ الثقة بين المجتمع والدولة قد يكون في أوقات الأزمات أكثر قيمة من كثير من المعدات العسكرية.

لقد راهن كثيرون على سرعة انهيار أوكرانيا، لكن السنوات اللاحقة أثبتت أن الحسابات العسكرية التقليدية لا تكفي لفهم الحروب الحديثة. فهناك عامل آخر لا يمكن قياسه بالأرقام وحدها، وهو صلابة الشعوب واستعدادها لتحمل التضحيات دفاعًا عن مستقبلها.

ولعل ما يلفت الانتباه في التجربة الأوكرانية أن قوة الدولة لم تكن في السلاح وحده، بل في استعداد المجتمع بأكمله للصمود وتحمل التضحيات. وهذا الدرس لا يخص أوروبا وحدها، بل يهم كل منطقة تواجه تحديات أمنية وجيوسياسية، ومنها منطقة الخليج. فالدول قد تمتلك الثروة والموارد والتقنيات الحديثة، لكن اللحظة الفاصلة في تاريخ الأمم تبقى مرتبطة بقدرة شعبها على حماية وطنه والتمسك باستقراره ووحدته عندما تتعرض الأوطان للاختبار.

وكما أشار الكاتب والمحلل السياسي العالمي فريد زكريا، فإن الحروب الحديثة لا تحسمها المساحة الجغرافية وحدها ولا حجم الجيوش فقط، بل تحسمها أيضًا قدرة الشعوب على الصمود والتكيف وتحمل التضحيات. ولعل أهم درس يمكن أن تستفيده الأجيال القادمة في الخليج من التجربة الأوكرانية هو أن أمن الأوطان لا يُبنى بالسلاح وحده، بل بإرادة الشعوب واستعدادها للدفاع عن أرضها ومصالحها.

وإذا كان الأوكرانيون قد أظهروا هذه الصلابة الاستثنائية في مواجهة قوة عظمى رغم محدودية مواردهم وإمكاناتهم، فإن شعوب الخليج تمتلك من القدرات الاقتصادية والعلمية والتقنية والبشرية ما يفوق ذلك بكثير. كما تمتلك دول الخليج ثروات هائلة وبنية تحتية متقدمة وموقعًا استراتيجيًا من أهم المواقع في العالم، إضافة إلى مجتمعات شابة متعلمة قادرة على التعلم والتطور واستيعاب أحدث التقنيات العسكرية والمدنية.

لكن الدرس الأوكراني يذكرنا بأن الثروة وحدها لا تكفي، وأن التكنولوجيا وحدها لا تكفي، وأن التحالفات وحدها لا تكفي. فالعامل الحاسم في لحظات الخطر الكبرى يبقى الإنسان نفسه؛ إرادته ووعيه واستعداده للدفاع عن وطنه. ولذلك فإن بناء المواطن الواعي والمسؤول والمتمسك بأرضه وهويته يجب أن يكون جزءًا من الأمن الوطني لا يقل أهمية عن بناء الجيوش والمنشآت والقواعد العسكرية.

فالعالم لا يحترم إلا الأمم القادرة على حماية نفسها والدفاع عن مصالحها مهما كان مصدر التهديد أو اتجاهه. ومن هنا فإن على أبناء الخليج أن يستفيدوا من الدروس الأوكرانية في الصمود والوحدة الوطنية والاستعداد للمستقبل، وأن يدركوا أن الحفاظ على أوطانهم مسؤولية جماعية في مواجهة أي تهديد إقليمي أو خارجي. فالأوطان التي تملك شعبًا مؤمنًا بها وقادرًا على الدفاع عنها تبقى وتزدهر، أما الأوطان التي تعتمد على الآخرين لحمايتها فتظل رهينة لمصالح الغير وتقلبات الزمن.

المصادر والمراجع: الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟