شفافية بيانات الزكاة والأوقاف والجمعيات الخيرية
غياب البيانات المالية عن شؤون الزكاة والأوقاف والجمعيات الخيرية وأثره في خدمة المجتمع
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – 6 سبتمبر 2026
تتمثل الجهات الثلاث الرئيسة للعمل الخيري في الوطن في: إدارة شؤون الزكاة، والإدارة العامة للأوقاف، والجمعيات الخيرية. وتتولى هذه الجهات جمع أموال الزكاة، وإدارة الأصول والريوع الوقفية، وتلقي الصدقات والتبرعات، وتنفيذ المشروعات الخيرية داخل الوطن وخارجه.
يقوم العمل الخيري على الثقة، لكن الثقة وحدها لا تكفي عندما تتسع المؤسسات وتتضاعف الأموال وتتنوع الاستثمارات والمصروفات. فكلما زادت الأموال المجموعة باسم الزكاة والوقف والصدقة، ازدادت الحاجة إلى معرفة مقدارها ومصادرها وكيفية استثمارها والجهات التي صُرفت عليها وعدد المستفيدين الحقيقيين منها.
المطلوب ليس كشف أسماء المتبرعين أو المحتاجين، ولا التدخل في خصوصيات الأسر، وإنما نشر أرقام إجمالية واضحة تبين حجم المال المجموع، ومقدار ما صُرف منه، وما بقي، وأين وُجّه، وما النتائج التي حققها.
أرقام معلنة وصورة مالية ناقصة
أُعلن أن المساعدات التي صُرفت من أموال الزكاة خلال عام 2023 بلغت نحو 235 مليون ريال، واستفادت منها أكثر من 8,800 أسرة داخل قطر. وهذا رقم مهم، لكنه يمثل جانب المصروفات فقط، ولا يكشف إجمالي ما جُمع من الزكاة خلال السنة، ولا الرصيد الموجود في بدايتها، ولا الأموال المرحلة من السنوات السابقة، ولا المصروفات الإدارية، ولا المبالغ المتبقية في نهاية العام.
كما ظهرت بيانات تفيد بأن الجمعيات الخيرية استحوذت على نحو 94.6% من إيرادات القطاع الخيري خلال 2023، وأن إيراداتها سجلت زيادة قدرها 533 مليون ريال. لكن هذه المؤشرات لا تكشف بوضوح إجمالي الإيرادات التفصيلية لكل جمعية، ولا مقدار ما صُرف داخل قطر وخارجها، ولا الأرصدة والاحتياطيات.
أما الأوقاف، فالمتاح غالبًا هو الإعلان عن وقف جديد أو مشروع منفرد، وليس حسابًا ماليًا موحدًا يبين إجمالي قيمة الأصول العقارية والمالية، والريع السنوي، وعوائد الاستثمارات، والمصروفات، والاحتياطيات والتوزيع بين الداخل والخارج.
وهكذا يعرف المجتمع بعض الأرقام، لكنه لا يحصل على صورة مالية مكتملة يمكن من خلالها تتبع المال من لحظة جمعه حتى وصوله إلى المستفيد.
العمل خلف الكواليس يضر العمل الخيري
قد يُعتقد أن إدارة الأموال الخيرية بعيدًا عن النقاش العام تحمي المؤسسات وتحفظ لها خصوصيتها، لكن العمل المالي خلف الكواليس قد يؤدي إلى نتيجة عكسية. فهو يفتح باب الشك، ويضعف الثقة، ويجعل المجتمع يعتمد على الأخبار المتفرقة والتقديرات غير المؤكدة.
عندما تعلن المؤسسة عدد المشروعات والمستفيدين من دون أن تنشر إجمالي إيراداتها ومصروفاتها، يبقى نصف الصورة غائبًا. فقد يكون عدد المشروعات كبيرًا، لكن لا يمكن معرفة كفاءة الإنفاق دون معرفة تكلفتها، ونسبة المصروفات الإدارية، وحجم الأموال المتبقية.
كما لا يكفي الإعلان عن مبلغ المساعدات المصروفة؛ لأن الرقم لا يوضح وحده مقدار الأموال المحصلة، ولا عائد الاستثمارات، ولا الأرصدة المرحلة. فالوضوح هو أفضل وسيلة لحماية المؤسسة والعاملين فيها من الشائعات والاتهامات.
أثر غياب البيانات على الباحث والصحفي
لا يستطيع الباحث أو الكاتب الإحصائي إعداد دراسة صحيحة دون سلسلة زمنية واضحة للأرقام. فهو يحتاج إلى مقارنة الإيرادات والمصروفات والأصول وعدد المستفيدين خلال خمس أو عشر سنوات، حتى يعرف هل تنمو الموارد فعلًا، وهل ينعكس هذا النمو على المجتمع.
أما الصحفي، فلا يستطيع تتبع مسار المال الخيري إذا لم يجد قوائم مالية كاملة وسهلة القراءة. وسيضطر إلى الاعتماد على تصريحات موسمية وأخبار مشروعات منفردة، وهي معلومات مفيدة، لكنها لا تسمح بتكوين صورة شاملة.
ومن دون البيانات لا يمكن الإجابة عن أسئلة أساسية: كم جُمع خلال السنة؟ وما مصادر الأموال؟ وكم بلغ عائد الاستثمارات؟ وما نسبة المصروفات الإدارية؟ وكم صُرف داخل الوطن وكم صُرف خارجه؟ وكم بلغ متوسط المساعدة لكل أسرة؟ وهل تحسن وضع المستفيدين فعلًا؟
غياب هذه المعلومات يحول التقرير الصحفي إلى مجرد نقل للأخبار، بدل أن يكون بحثًا مهنيًا يقيس الأداء والأثر الاجتماعي.
مراجعة كفاءة الكادر العامل
لا تكتمل الشفافية بنشر الإيرادات والمصروفات فقط، بل يجب أن تشمل مراجعة كفاءة الكادر العامل في المجال الخيري ومدى إنتاجيته في إدارة الأموال وحمايتها وتوجيهها إلى مستحقيها. فالعامل في هذا المجال لا يدير نشاطًا إداريًا عاديًا، وإنما يتولى أمانة مالية واجتماعية جُمعت باسم الفقراء والمحتاجين.
ويجب قياس كفاءة الإدارة وفق مؤشرات واضحة، تشمل نسبة المصروفات الإدارية إلى الأموال التي تصل إلى المستفيدين، وعدد الطلبات المنجزة، ومدة دراسة الطلب، وتكلفة إيصال المساعدة، وكفاءة استثمار الأصول الوقفية، وقدرة المؤسسة على الوصول إلى المحتاج بدل انتظار قدومه إليها.
كما يجب قياس مدى عدالة التوزيع، ومنع حصول بعض الأسر على مساعدات متكررة من جهات متعددة، في الوقت الذي تُحرم فيه أسر أخرى لا تعرف الطريق إلى هذه الجهات أو لا تستطيع عرض حاجتها بالطريقة المطلوبة.
ولا تعني مراجعة الإنتاجية الإساءة إلى العاملين أو التشكيك في أمانتهم، وإنما التأكد من أن عدد الموظفين ورواتبهم ومزاياهم ومصروفاتهم الإدارية تتناسب مع حجم العمل والنتائج المحققة. فإذا ارتفعت الإيرادات وتوسعت الاستثمارات، بينما بقيت المساعدات محدودة أو تأخرت معاملات المحتاجين، فمن حق المجتمع أن يسأل عن أسباب ذلك.
المال الخيري أموال أفراد وأمانة مجتمع
المال الخيري ليس مالًا تملكه المؤسسة أو تتصرف فيه كما تشاء، وليس جزءًا عاديًا من أموال الدولة، بل أصله أموال أفراد أخرجوها من ممتلكاتهم زكاة أو صدقة أو وقفًا، وحددوا لها غاية شرعية واجتماعية.
أما أموال الدولة فتخضع لنظامها المالي وللضوابط التي يحددها القانون، وقد لا تكون جميع تفاصيلها متاحة للجمهور. وهذا المقال لا يتناول تلك الأموال ولا يعترض على الأنظمة المنظمة لها، وإنما يتناول الأموال الخيرية التي جمعها المجتمع من أفراده، ووضعها أمانة لدى المؤسسات لتصل إلى الفقراء والمساكين والغارمين وغيرهم من المستحقين.
لهذا تحمل الأموال الخيرية صفة خاصة؛ فهي ليست ملكًا شخصيًا للقائمين عليها، وليست أموالًا مباحة للصرف دون بيان، وإنما هي أموال المجتمع الخيري. ومن حق المجتمع أن يعرف كم دفع أفراده، وكيف أُديرت أموالهم، وأين استُثمرت، وكم بلغت عوائدها، وكم صُرف منها للمحتاجين، وما المبلغ الذي بقي أو رُحّل إلى السنوات التالية.
والمتبرع عندما يسلم ماله لا يتنازل عن حقه المعنوي في معرفة أثره، كما أن المحتاج لا يفقد حقه في عدالة التوزيع ووضوح شروط الاستحقاق.
حرمان العمل الخيري من البحث الاجتماعي
الأموال الخيرية ليست أرقامًا محاسبية فقط، بل وسيلة لمعالجة الفقر والديون والعجز عن دفع الإيجار والعلاج والتعليم. ولذلك يجب دراسة أثرها الاجتماعي، لا الاكتفاء بإعلان قيمة ما صُرف.
فقد تحصل أسرة على مساعدة مرة واحدة، لكنها تبقى عاجزة عن تغطية احتياجاتها الشهرية. وقد تُدفع رسوم طالب بينما تعجز أسرته عن دفع الإيجار أو العلاج. والبحث الاجتماعي هو الذي يكشف هذه الفجوات، ويبين ما إذا كانت المساعدة مؤقتة أم أحدثت تحسنًا حقيقيًا في حياة الأسرة.
ويكون الضرر أكبر عندما يرى المجتمع اتساع الاستثمارات والمشروعات الخيرية، لكنه لا يستطيع معرفة مقدار ما خُصص للمواطنين الذين يعيشون على معاشات اجتماعية محدودة أو يعانون من الديون والسكن والعلاج وتعليم الأبناء.
ما المطلوب؟
ينبغي أن تنشر إدارة شؤون الزكاة والإدارة العامة للأوقاف وكل جمعية خيرية تقريرًا سنويًا موحدًا، يتضمن إجمالي الأموال المحصلة، ومصادر الإيرادات، وقيمة الأصول والاستثمارات، والريع، والمصروفات الإدارية، والإنفاق داخل الوطن وخارجه، وعدد المستفيدين، والأرصدة المتبقية والمرحلة.
ويجب نشر هذه البيانات بصيغة واضحة وقابلة للبحث والمقارنة، لا في صور ممسوحة أو أخبار متفرقة يصعب على الباحث جمعها وتحليلها.
كما ينبغي تخصيص نسبة معلنة من صافي ريع الأوقاف العامة والتبرعات غير المقيدة لدعم المواطنين المستفيدين من المعاشات الاجتماعية، مع إعطاء من تنطبق عليهم صفات الفقراء والمساكين والغارمين الأولوية في أموال الزكاة.
الخلاصة
إن بقاء العمل الخيري خلف الكواليس يضر بالمؤسسات والمتبرعين والمستفيدين. فالمال المجموع باسم الزكاة والوقف والصدقة هو مال أمانة، ومن حق المجتمع معرفة حجمه وطريقة إدارته واستثماره وصرفه، دون المساس بخصوصية الأفراد.
الشفافية لا تعطل العمل الخيري، بل تحميه. وكلما كانت الأموال آتية من المجتمع ومجموعة باسمه ولخدمة محتاجيه، وجب أن تكون طريقة إدارتها وصرفها واضحة أمامه.
ولا يمكن مطالبة المجتمع بالثقة الكاملة في أرقام لا يستطيع رؤيتها أو مقارنتها. فكل ريال يُجمع باسم المحتاج يجب أن يكون مساره واضحًا من لحظة تحصيله إلى وصوله إلى المستفيد.
المصادر والمراجع: البنك الدولي، بيانات ومؤشرات الحكم الرشيد؛ مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، اتفاقية مكافحة الفساد.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment