ربط الخليج والشرق الأوسط بأنابيب الغاز
ربط دول الخليج والشرق الأوسط بأنابيب الغاز كربط الشرايين بمواطنيها: نحو شراكة اقتصادية واجتماعية تعزز المصالح المشتركة والاستقرار الإقليمي
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – 18 أكتوبر 2026
إن ربط دول الخليج والشرق الأوسط بشبكة أنابيب للغاز الطبيعي يجب ألا يقتصر على نقل الطاقة من المنتج إلى المستهلك. فالمشروع الذي يمتد لعقود لا يحقق الاستقرار بمجرد بناء الأنابيب، بل حين يرتبط بمصالح الدول ومواطنيها، كما ترتبط شرايين الجسم بأعضائه. فالغاز ينبغي أن يحمل معه فرص العمل والاستثمار والصناعة والتنمية، وأن تعود منافعه على المجتمعات التي تمر عبر أراضيها الشبكة.
ولا يعني ذلك أن كل دولة تعبرها الأنابيب ستتحول تلقائيًا إلى حليف دائم؛ فقد تختلف المصالح وتتغير الظروف. ولهذا فإن نجاح المشروع يحتاج إلى ثلاثة مستويات متلازمة: اتفاقات سيادية تحمي المرور، وشركات تشترك في التمويل والأرباح، ومنافع ملموسة للمواطنين. فإذا غاب المستوى الأخير بقيت الشبكة مشروعًا بين المؤسسات، لا مشروعًا تشعر المجتمعات بأنها جزء منه.
ومن هذا المنطلق تستطيع قطر أن تتبنى استراتيجية إقليمية تجعل السعودية والإمارات والكويت شركاء في إنتاج الغاز ونقله وتوزيعه واستثماره، وأن تتوسع لاحقًا نحو البحرين وعُمان والأردن ومصر وتركيا، وصولًا إلى الأسواق الأوروبية إذا سمحت الجدوى الاقتصادية والأوضاع السياسية بذلك.
السعودية: من دولة عبور إلى شريك اقتصادي
تحتل السعودية موقعًا محوريًا في المسارات البرية المقترحة لنقل الغاز القطري نحو الكويت والأردن ومصر وتركيا. ومن مصلحة قطر والسعودية أن يتجاوز التعاون تحصيل رسوم العبور إلى الملكية المشتركة والتمويل والتشغيل وتطوير الصناعات المستهلكة للغاز.
يمكن أن تشارك الشركات السعودية في إنشاء الأنابيب وصيانتها، وأن تحصل المدن الصناعية السعودية على إمدادات تعاقدية مستقرة. وفي المقابل يمكن لقطر توسيع التسهيلات الاستثمارية للمواطن السعودي في العقار والتجارة والصناعة، مع ضمان حقوق مماثلة للمواطن القطري في السعودية. ولا ينبغي أن تكون الامتيازات مجرد إعفاءات شكلية، بل فرصًا حقيقية لإنشاء شركات وتوظيف الشباب وتبادل الخبرات.
وللسعودية احتياجاتها الصناعية وأولوياتها التنموية، ومن ثم ينبغي التفاوض معها على أساس ما تضيفه الشبكة إلى اقتصادها، لا على افتراض أنها مجرد ممر إجباري. وقد يكون من المجدي تخصيص وصلات للمراكز الصناعية السعودية وإقامة مخازن ومرافق قياس وضغط مشتركة، إلى جانب برامج لتوطين الوظائف الفنية. فكلما تنوعت الفوائد، أصبحت حسابات استمرار المشروع مرتبطة بسلسلة أوسع من الأنشطة الاقتصادية.
الإمارات والكويت: أسواق وشركاء في الشبكة
يقدم مشروع دولفين نموذجًا قائمًا للتعاون؛ فهو ينقل الغاز القطري إلى الإمارات وعُمان عبر أنبوب بحري، ويمكن دراسة التوسع في الاستفادة منه باتفاقات تجارية وفنية جديدة. ويمكن كذلك إشراك المستثمرين الإماراتيين في شبكات التوزيع والصناعات المصاحبة، وإتاحة فرص مقابلة للقطريين.
أما الكويت فلديها احتياجات كبيرة للغاز في الكهرباء وتحلية المياه والصناعة، وهي تستورد بالفعل الغاز القطري المسال. وقد تعثر مشروع سابق لمد أنبوب غاز من قطر إلى الكويت في منتصف العقد الأول من الألفية بسبب خلافات حول الموافقة على المرور في المياه السعودية. وهذه واقعة تبين أن الحقوق القانونية للعبور يجب أن تُحسم قبل إنفاق الأموال.
ويمكن إعادة دراسة أنبوب بري عبر السعودية إلى الكويت، إلى جانب البدائل البحرية، ومقارنة تكلفته بعقود الغاز المسال. ويُبحث إشراك المؤسسات والشركات والمواطنين الكويتيين في التمويل والخدمات والصناعات المرتبطة بالمشروع.
ولا ينبغي أن يكون الهدف إلغاء الغاز المسال فورًا؛ فالأنابيب تحتاج إلى طلب مضمون لسنوات طويلة، بينما يمنح الغاز المسال مرونة في شراء الشحنات وتغيير الموردين. ويمكن الجمع بين الطريقتين خلال مرحلة انتقالية، تبعًا للسعر وتكاليف التمويل وأمن المسارات. وبذلك يتحول قرار بناء الخط إلى حساب اقتصادي مدروس، لا إلى رد فعل سياسي.
ماذا تعلمنا تجارب العالم؟
أنشأت بوليفيا والبرازيل خط GASBOL، الذي بدأ تشغيله عام 1999، لربط الغاز البوليفي بالأسواق الصناعية البرازيلية. وبالتوازي، وقّعت الدولتان لاحقًا ترتيبات تسهّل الإقامة والعمل والدراسة لسكان مناطق حدودية معينة. لم تنشأ هذه الحقوق من عقد الأنبوب نفسه، لكنها تظهر كيف يمكن أن يترافق تعاون الطاقة مع تعاون يخدم المواطنين مباشرة.
وتقدم أذربيجان وتركيا تجربة أقرب إلى مشروعنا؛ إذ ينقل خط TANAP الغاز الأذربيجاني عبر تركيا نحو أوروبا. وأُرفق المشروع باتفاقات لتنظيم حقوق الدولة المضيفة وبرامج تنموية في المناطق التي يمر بها الأنبوب، تشمل دعم التدريب والخدمات والمشروعات المحلية. فالمدينة التي يمر بجوارها الغاز يجب أن ترى أثره في الاقتصاد والعمل، لا أن تراه أنبوبًا مغلقًا فقط.
أما النرويج فترتبط بأسواق أوروبا بأنابيب واسعة، ويستفيد مواطنوها بصورة مستقلة من حقوق التنقل والعمل التي توفرها المنطقة الاقتصادية الأوروبية. وكذلك ساعد جسر أوريسند بين الدنمارك والسويد على توسيع سوق العمل عبر الحدود. وهذه الأمثلة لا تعني أن عقود الطاقة أنشأت حقوق المواطنين، وإنما تؤكد أن البنية الأساسية تكون أكثر نفعًا حين تصاحبها ترتيبات اقتصادية واجتماعية واضحة.
ماذا يُمنح المواطن الخليجي؟
لدى مجلس التعاون أصلًا حقوق مشتركة تتعلق بالتنقل والعمل والتملك والاستثمار وفق الأنظمة الوطنية. والمطلوب ليس إعادة الإعلان عن هذه الحقوق، بل إزالة العوائق العملية أمام تنفيذها، ثم إضافة مزايا مرتبطة بمشروع الغاز.
يمكن إنشاء صناديق استثمارية منظمة تتيح للمواطنين في قطر والسعودية والإمارات والكويت، ثم بقية الدول المشاركة، المساهمة في مشروعات الأنابيب والتوزيع، مع الإفصاح عن المخاطر والعوائد. ويمكن تخصيص فرص تنافسية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في المقاولات والصيانة والخدمات، وإنشاء مراكز مشتركة لتأهيل الفنيين والمهندسين.
كما يمكن تبسيط إجراءات تأسيس الشركات والاعتراف بالمؤهلات المهنية وتسهيل انتقال المستثمرين وأسرهم، ودعم المشروعات الصناعية التي تستخدم الغاز لإنتاج الأسمدة والبتروكيماويات والكهرباء والتبريد. ويجب أن تقوم هذه التسهيلات على المعاملة بالمثل، وتحافظ على حقوق المواطنين والخدمات الأساسية في كل دولة.
ومن الممكن أن تُربط حصة محددة من برامج التنمية المحلية بإيرادات النقل، دون المساس بحقوق المساهمين أو تحويل المشروع إلى التزام مالي مفتوح. ويُعلن سنويًا عدد الوظائف التي وفرها، ونسبة العقود الممنوحة للشركات المحلية، وقيمة التدريب والاستثمار في المناطق التي تمر بها الأنابيب. فالمواطن يحتاج إلى نتائج قابلة للقياس، لا إلى وعود عامة، والحكومات تحتاج إلى معرفة ما إذا كانت المنافع موزعة بعدالة.
حماية الأنابيب من التعطيل
ليس المقصود أن تحل امتيازات المواطنين محل سيادة الدول أو حقوقها القانونية، ولا أن تشتري قطر موافقة العبور بامتيازات مؤقتة. المقصود هو إنشاء مصالح متشابكة تجعل انتظام الغاز مجديًا للجميع.
ولهذا يجب أن تقوم الشبكة على اتفاقيات حكومية طويلة الأجل تحدد مسارات المرور والرسوم والتزامات التشغيل وشروط التعليق والتعويض والتحكيم، مع حماية حقوق البنوك والمستثمرين ودراسة مسارات بديلة. فالمصلحة المشتركة تقلل دوافع التعطيل، لكنها لا تلغي المخاطر السياسية والأمنية أو ضرورة ضمانات التنفيذ.
ويمكن البدء باتفاق إطاري بين قطر والسعودية والإمارات والكويت لتحديد الطلب المتوقع ومواقع الربط وقواعد الاستثمار، ثم تكليف جهة مستقلة بدراسة المسارات والتكلفة والتعرفة والعائد والمخاطر. وبعد الاتفاق على جدوى المرحلة الخليجية، يُبحث التوسع نحو الأردن ومصر وتركيا مع الحكومات المعنية. إن بناء شبكة تدريجية قابلة للتمويل أدعى للثبات من الإعلان عن خط طويل قبل تحديد مشترين ملتزمين وحقوق عبور واضحة.
الخاتمة
إذا كان الغاز يغذي المصانع والمدن، فإن الأنابيب شرايينه، والمواطنون هم الغاية من استمرار تدفقه. وكلما استفاد المواطن السعودي والإماراتي والكويتي والقطري، ثم المواطن في بقية دول الشرق الأوسط، من الوظيفة والمشروع والاستثمار والخدمة، أصبح للأنبوب معنى يتجاوز تجارة الطاقة.
هكذا يمكن لقطر أن تنتقل من تصدير الغاز بوصفه سلعة إلى بناء شبكة مصالح إقليمية تُحسن أمن الإمدادات وتوسع الاقتصاد المحلي الخليجي، وتربط دول المنطقة بروابط تنموية تظل نافعة ما دامت الاتفاقيات عادلة والمنافع متبادلة.
المصادر والمراجع: وكالة الطاقة الدولية، تقرير الغاز 2025؛ إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ وكالة الطاقة الدولية، آفاق الطاقة العالمية 2025.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment