واشنطن والمضائق البحرية في استراتيجية النفوذ العالمي

مع تراجع التفوق البحري الأمريكي عالميًا: واشنطن تعزز استراتيجيتها للسيطرة على المضائق البحرية وشرايين التجارة الدولية

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع

الدوحة – 10 أكتوبر 2026

لم تعد الولايات المتحدة تتمتع بهامش التفوق البحري الذي انفردت به عقب انهيار الاتحاد السوفيتي. فصعود الصين، وتباطؤ بناء السفن الأمريكية، واتساع الالتزامات العسكرية، دفعت واشنطن إلى مواجهة معادلة جديدة: كيف تحافظ على نفوذها العالمي بأسطول يصعب توسيعه بالسرعة المطلوبة؟ ومن هنا تبرز أهمية المضائق البحرية، حيث يمكن للقوة المتمركزة بالقرب من ممر ضيق أن تؤثر في تجارة تفوق بكثير حجم وجودها العسكري.

في مارس 2025، كشف مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي (GAO) أن البحرية لم تزد عدد سفنها خلال عقدين رغم تضاعف ميزانية بناء السفن تقريبًا، نتيجة ارتفاع التكاليف وتأخر التسليم ومشكلات الصناعة. وتؤكد تقارير الكونغرس أن الصين تجاوزت الولايات المتحدة عدديًا في القطع البحرية، وإن ظلت واشنطن متقدمة في حاملات الطائرات النووية والغواصات والانتشار البعيد. ولذلك فالمقصود تراجع التفوق النسبي، لا انهيار القوة البحرية الأمريكية.

الأكثر دلالة أن قائد العمليات البحرية الأمريكية، الأدميرال داريل كودل، أكد في توجيه رسمي صدر في ديسمبر 2025 ضرورة تطوير القدرة على منع الخصوم من استخدام البحر وفرض السيطرة عند الحاجة، بما يشمل نقاط الاختناق البحرية الحاسمة عالميًا. وتثبت هذه الوثيقة أهمية المضائق في التفكير العسكري الأمريكي، لكنها لا تعني وجود قرار معلن بإغلاقها أو إخضاع التجارة الدولية.

وتكشف خريطة الانتشار الأمريكي خمسة مواقع محورية: جبل طارق، وهرمز، وباب المندب، وملقا، وقناة بنما. وهي مواقع لا تملك واشنطن السيادة عليها جميعًا، لكنها تتمتع بقواعد أو علاقات عسكرية أو مصالح مؤثرة بالقرب منها. والمهم هنا التمييز بين الوجود العسكري، والقدرة على التأثير في الملاحة، والسيطرة القانونية على الممر.

في جبل طارق، تحتفظ الولايات المتحدة بوجود بحري في قاعدة روتا الإسبانية منذ اتفاقيات 1953. وتعد القاعدة مركزًا لدعم المدمرات والأسطول الأمريكي العامل في المتوسط وأوروبا وأفريقيا. لا تسيطر واشنطن على المضيق نفسه، لكنها تستطيع نشر قواتها وصيانتها وتموينها بالقرب من بوابته الأطلسية، بالتعاون مع إسبانيا وبريطانيا.

أما هرمز فهو أكثر ارتباطًا باقتصادات الخليج. فالأسطول الخامس الأمريكي يتمركز في البحرين، وتشمل منطقة عمله هرمز وباب المندب وقناة السويس، وفق بيانات البحرية الأمريكية. وتقدر إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن 20.9 مليون برميل يوميًا من النفط والسوائل النفطية مرت عبر هرمز في النصف الأول من 2025، فضلًا عن نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال. وتتجه كميات ضخمة إلى الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، مما يجعل أي اضطراب فيه أزمة عالمية لا خليجية فحسب.

وقد أثبتت المواجهة الأمريكية الإيرانية خلال 2026 أن كثافة الانتشار العسكري لا تعني ضمان سلامة الشحن. فتهديد السفن أو رفع تكاليف التأمين يكفيان لتعطيل جزء من الصادرات، حتى دون إغلاق كامل ومستمر للمضيق. وتتحمل الدول الخليجية خسائر الإنتاج والعقود والأسواق، بينما تتحول حرية الملاحة إلى قضية تفاوض بين أطراف الصراع. ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة تتحكم منفردة في الإغلاق؛ فإيران تتحمل مسؤولية مباشرة عن التهديدات التي تصدر عنها.

ووفقًا لرويترز في السابع من أكتوبر 2026، شهد أسبوع واحد قرب هرمز اثنتي عشرة واقعة بين اعتداء ومحاولة اعتداء ومضايقة للسفن. وبعدها بيوم أظهرت بيانات حركة الناقلات انخفاض العبور إلى أدنى مستوياته منذ أكثر من شهرين. وهذه الوقائع تفسر لماذا لا تعني عودة بعض الصادرات أن أزمة المضيق انتهت، ولا أن المنتج الخليجي استعاد حرية الحركة التجارية بصورة مستقرة.

وفي باب المندب، تمنح قاعدة كامب ليمونييه في جيبوتي الولايات المتحدة موقعًا قريبًا من المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. لكن تهديدات الحوثيين للسفن أظهرت مدى هشاشة هذا الشريان الذي يصل آسيا بأوروبا عبر السويس. وأنشأت الصين قاعدة عسكرية في جيبوتي عام 2017، مما جعل المكان نفسه شاهدًا على تنافس القوتين لحماية المصالح ومراقبة حركة البحر.

أما مضيق ملقا، بين ماليزيا وإندونيسيا وبالقرب من سنغافورة، فهو شريان رئيسي لإمدادات الصين وتجارتها. وبحسب إدارة معلومات الطاقة، عبره نحو 23.2 مليون برميل يوميًا من النفط والمشتقات خلال النصف الأول من 2025. وتستخدم البحرية الأمريكية تسهيلات لوجستية في سنغافورة، دون أن يعني ذلك امتلاكها المضيق. وتفسر هذه الحساسية اهتمام بكين بخطوط الأنابيب والطرق البرية والموانئ البديلة لتقليل تعرضها لمخاطر الحصار البحري.

وقناة بنما تقدم المثال التاريخي المباشر. فقد أدارت الولايات المتحدة القناة لعقود، قبل انتقالها إلى السيادة والإدارة البنمية الكاملة في نهاية 1999 بموجب اتفاقيتي توريخوس وكارتر. وعادت تصريحات الرئيس دونالد ترامب بشأن القناة والنفوذ الصيني المحيط بها لتظهر استمرار قيمتها الاستراتيجية، حتى مع عدم امتلاك واشنطن حق السيادة عليها اليوم.

وعند جمع المضائق الخمسة، تظهر شبكة أمريكية تستطيع تأمين حركة أساطيلها والتأثير في خطوط التجارة الحيوية. لكن جذورها أقدم من صعود الصين، ولها أهداف معلنة تشمل حماية الملاحة وردع الهجمات ودعم الحلفاء. ومن ثم فإن القول إن واشنطن أعادت توجيه استراتيجيتها حصريًا للسيطرة على المضائق بسبب تراجع أسطولها يظل فرضية تحليلية تحتاج إلى أدلة إضافية، لا حقيقة مثبتة بالوثائق المتاحة.

وبالنسبة إلى الصين، فإن الاعتماد على الممرات الضيقة يكشف نقطة ضعف في تجارتها، لكنه يكشف أيضًا اعتماد الولايات المتحدة وحلفائها على استقرار تلك الممرات. فإغلاقها يرفع تكاليف الطاقة والنقل عالميًا، وقد يضر بالمستهلك الأمريكي نفسه. ولذلك لا يصح تصوير السيطرة على المضائق كوسيلة اقتصادية بلا ثمن، وإنما كقدرة يمكن أن تتحول إلى عبء كبير إذا استُخدمت في حرب واسعة.

مع ذلك، يصبح التركيز على نقاط الاختناق خيارًا مفهومًا عسكريًا عندما تتسع البحار وتضيق الموارد. فالتأثير عند ممر محدود قد يتطلب قوة أقل من الانتشار في محيط كامل. وهنا يكمن الخطر على الدول التي تعتمد في صادراتها على طريق واحد، خصوصًا دول الخليج التي يمر جزء أساسي من نفطها وغازها عبر هرمز، بينما يظل طريق البحر الأحمر معرضًا لمخاطر باب المندب.

كما أن التنافس الاقتصادي يضيف بُعدًا آخر. فالولايات المتحدة منتج ومصدر كبير للغاز الطبيعي المسال، ومنافس لقطر في الأسواق الدولية. وعندما تتعطل الإمدادات الخليجية، قد تستفيد صادرات بديلة من ارتفاع الطلب والأسعار. لكن الاستفادة التجارية لا تكفي لإثبات أن واشنطن خططت لتعطيل الخليج، ويجب الفصل بين النتائج الاقتصادية والنيات السياسية غير المثبتة.

ولأن الأثر يقع على الاقتصادات المنتجة، لا على السفن وحدها، كشفت رويترز في أغسطس 2026 عن تراجع حاد لصادرات الغاز القطري خلال الأشهر الستة الأولى للحرب، وتقديرات بخسائر مبيعات تقارب 24 مليار دولار. وفي المقابل ارتفعت مبيعات الغاز الأمريكي لتعويض جزء من النقص. وهذه الوقائع تبرر دراسة المستفيدين والخاسرين، ولكنها لا تثبت وحدها أن الولايات المتحدة تعمدت وقف صادرات منافسيها.

ولهذا لا ينبغي أن تنتظر دول الخليج إعلان انتهاء الحرب لتبدأ بناء أمنها التجاري. المطلوب اتفاق خليجي لدراسة شبكة مشتركة من خطوط النفط والغاز، وموانئ التصدير خارج مناطق الخطر، وزيادة التخزين، وتوزيع المخاطر بين الدول. ويجب أن تحسب جدوى هذه المشروعات على أساس تكلفة الانقطاع في الحروب، لا تكلفة إنشائها في الأوقات الطبيعية وحدها. كما أن نقل الغاز عبر مسارات بديلة يحتاج إلى دراسات هندسية واقتصادية، ولا يكفي رسم خط على الخريطة لإثبات قابليته للتنفيذ.

والبدائل الخليجية ليست متساوية. فخطوط النفط القائمة في السعودية والإمارات تمنح جزءًا من الصادرات منفذًا خارج هرمز، لكنها لا تكفي لكل الكميات، ولا يمكنها نقل الغاز المسال كما تنقل النفط. كما أن إنشاء مرافئ جديدة يحتاج إلى حماية من الهجمات، لا مجرد تغيير موقعها. ولذلك ينبغي جمع الخبرة الهندسية والتمويل الخليجي في برنامج طويل الأجل، مع ترتيبات مشتركة للتشغيل والطوارئ.

والحفاظ على العلاقات الأمنية مع الولايات المتحدة لا يتعارض مع المطالبة بضمانات للملاحة، ولا مع حق الخليج في المشاركة المباشرة في أي تفاهم يخص هرمز. فالقانون الدولي يقر حق المرور العابر في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، بينما يظل تطبيق هذا الحق وحمايته تحديًا في زمن الحرب.

إن تراجع التفوق البحري الأمريكي النسبي لا يعني نهاية القوة الأمريكية، لكنه يرفع قيمة المواقع التي تسمح بالتأثير في حركة البحر والتجارة. أما الدرس الخليجي فهو أشد وضوحًا: امتلاك النفط والغاز لا يكفي إذا بقي الطريق إلى الزبائن عرضة لقرارات المتحاربين. والسيادة الاقتصادية لا تكتمل إلا بامتلاك بدائل عملية تضمن استمرار الصادرات، سواء جاءت الأخطار من خصم أو من صراع شارك فيه حليف.

المصادر والمراجع: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ الأمم المتحدة، اتفاقية قانون البحار (الأحكام المتعلقة بالمضائق)؛ الأونكتاد، مراجعة النقل البحري 2025.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟