إيران الدولة المركزية- هل تفقد السيطرة من الداخل

إيران الدولة المركزية: هل تفقد السيطرة من الداخل؟

تحليل سياسي – إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة – 7 يوليو 2026

إيران لم تتفكك كدولة حتى الآن، لكنها دخلت مرحلة أخطر من التفكك: ضعف المركز وتعدد مراكز القرار.

الدولة المركزية الإيرانية قامت لعقود على فكرة واحدة: المرشد في القمة، الحرس الثوري ذراع القوة، المؤسسات المدنية واجهة إدارة، والأجهزة الأمنية أداة ضبط المجتمع. هذا النموذج كان يمنح النظام قدرة على امتصاص الأزمات، وقمع الاحتجاجات، وإدارة الأذرع الخارجية، والتفاوض مع العالم من موقع واحد.

لكن الضربات الأخيرة والحرب وما تبعها كشفت أن هذا المركز لم يعد يعمل بالتماسك القديم. تقارير رويترز تحدثت عن ظهور شقوق داخل القيادة الإيرانية، وصراع بين التيار المتشدد والتيار الأكثر براغماتية، خصوصًا حول طريقة الرد وإدارة العلاقة مع الخليج والولايات المتحدة.

الخطر الأكبر ليس أن تسقط طهران غدًا، بل أن تتحول إيران من دولة مركزية صارمة إلى دولة ذات مراكز قوة متعددة: الحرس الثوري في جهة، الحكومة المدنية في جهة، رجال الدين المتشددون في جهة، والشارع الغاضب في جهة أخرى.

في هذا الوضع تصبح اللامركزية خطرًا على النظام لا قوة له. فحين يضعف المركز، لا تعود القرارات الكبرى تصدر من رأس واحد، بل من قادة ميدانيين، ومصالح عسكرية، وأجهزة أمنية، وشبكات اقتصادية مرتبطة بالحرس الثوري.

تقارير دولية أشارت إلى أن الحرس الثوري عزز سيطرته على القرار الإيراني، خصوصًا في ملف مضيق هرمز، وأنه يدفع نحو استخدام القوة والضغط البحري حتى لو أضر ذلك بالمفاوضات السياسية.

وهنا يظهر التناقض الداخلي: الحكومة تريد المال ورفع الضغط الاقتصادي، والحرس الثوري يريد النفوذ والسيطرة والجباية السياسية من المضيق. هذا ليس خلافًا إداريًا بسيطًا، بل صراع على هوية الدولة: هل تكون إيران دولة تفاوض وبقاء اقتصادي، أم دولة عسكرية تعيش على الابتزاز والمواجهة؟

مراكز بحث مثل معهد دراسة الحرب وCritical Threats تحدثت عن استمرار إيران في استخدام القوة لفرض ترتيباتها في مضيق هرمز، وعن محاولة توظيف الدبلوماسية والقوة العسكرية معًا لفرض آلية أمنية إقليمية جديدة.

هذا يعني أن القرار الإيراني لم يعد سياسيًا خالصًا، بل أصبح خليطًا من الحسابات العسكرية والاقتصادية والدينية والأمنية. وكلما زاد هذا الخليط، ضعفت الدولة المركزية.

أما داخليًا، فالوضع أخطر. رويترز ذكرت أن السخط الشعبي ما زال قائمًا رغم مشاهد الحشود الرسمية، وأن الأزمة الاقتصادية، والتضخم، والقمع، وذاكرة الاحتجاجات السابقة، كلها عوامل تبقي المجتمع الإيراني في حالة غليان.

النظام قد ينجو من الضربة العسكرية، لكنه قد لا ينجو بسهولة من اجتماع ثلاثة عوامل: اقتصاد منهك، قيادة متنازعة، ومجتمع فاقد للثقة.

تقارير أخرى حذرت من أن إيران تخشى الانهيار الاقتصادي بعد الحرب، ولذلك لجأت إلى الاعتقالات والإعدامات وتعبئة الشارع لإظهار القوة. وهذا السلوك عادة لا يدل على نظام مطمئن، بل على نظام يشعر أن الخطر الداخلي قد يصبح أخطر من الخطر الخارجي.

اللامركزية العسكرية قد تساعد إيران على الصمود في الحرب، لكنها تضعفها في السياسة. فكل قائد ميداني يملك سلاحًا ومنطقة نفوذ قد يتحول لاحقًا إلى مركز قرار مستقل. وما يبدأ كخطة دفاعية قد ينتهي كتشقق داخل بنية الدولة.

مركز Stimson أشار إلى أن الأنظمة العنيفة والهشة يمكن أن تبقى مدة طويلة إذا ظلت قوات الأمن موالية ولم تظهر معارضة موحدة قوية. وهذا ينطبق على إيران: السقوط ليس قريبًا بالضرورة، لكن الهشاشة أصبحت أوضح.

الخطر على مستقبل النظام الإيراني ليس الانهيار السريع فقط، بل التحول البطيء إلى دولة يحكمها توازن خوف بين أجنحة النظام. دولة لا يثق فيها السياسي بالعسكري، ولا المدني بالحرس، ولا الشارع بالدولة.

وهنا تصبح إيران أضعف حتى لو بقيت قائمة. فالدولة لا تقاس فقط بوجود علم وجيش وحدود، بل بقدرتها على اتخاذ قرار واحد وتنفيذه دون تنازع داخلي.

الخلاصة: إيران لم تسقط، لكنها لم تعد إيران المركزية الصلبة كما كانت. المركز تضرر، الحرس الثوري تمدد، الاقتصاد يضغط، والشارع يغلي. وإذا استمر هذا المسار، فإن اللامركزية لن تكون وسيلة بقاء للنظام، بل بداية تفككه من الداخل.

المصادر والمراجع: الأمم المتحدة، ميثاق الأمم المتحدة؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟