الخليج على مفترق الطرق
الخليج على مفترق الطرق
تحليل اقتصادي وسياسي – إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة – 28 مايو 2026
الخليج اليوم لا يمر بخلافات سياسية عابرة فقط، بل يقف أمام مرحلة إعادة تشكيل تاريخية قد تعيد تعريف المنطقة اقتصاديًا واستراتيجيًا لعقود طويلة قادمة. وما يحدث بين بعض دول الخليج لم يعد مجرد تباين في وجهات النظر، بل بدأ يتحول تدريجيًا إلى اختلاف في “رؤية شكل الخليج القادم”.
هناك من يرى أن المنطقة تتجه ببطء نحو تشكل خليجين داخل الخليج نفسه. الأول خليج بحري تجاري تقوده الجغرافيا الساحلية الممتدة من عمان إلى الإمارات، والثاني خليج قاري–قبلي يرتبط بعمق الجزيرة العربية الممتد من نجد إلى الكويت وقطر والبحرين. وهذا الطرح ليس جديدًا بالكامل، فالتاريخ الخليجي عرف دائمًا اختلافًا بين الساحل البحري المفتوح على المحيط الهندي وشرق أفريقيا والهند، وبين الداخل النجدي والجزيرة العربية القارية، لكن الجديد اليوم أن هذه الفوارق التاريخية بدأت تنعكس بصورة واضحة على المشاريع الاقتصادية والتحالفات وشكل التنمية والبنية اللوجستية.
فالشق البحري المرتبط تاريخيًا بعمان والإمارات يتحرك بقوة نحو الموانئ العالمية والتجارة البحرية والخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد الدولية، مع تركيز متزايد على المحيط الهندي وشرق أفريقيا وربط آسيا بالخليج عبر البحر. وفي المقابل، يتحرك الشق القاري بقيادة السعودية نحو الصناعة والمدن الاقتصادية والسكك الحديدية والممرات البرية وإعادة بناء سلاسل الإمداد داخل الجزيرة العربية، وربط الخليج بالبحر الأحمر ثم أوروبا عبر طرق برية ومشاريع طاقة وصناعات ضخمة.
ومن هنا بدأ التنافس يتجاوز السياسة التقليدية إلى سؤال أكبر وأعمق: من سيقود الخليج اقتصاديًا في القرن القادم؟
فالخلاف السعودي–الإماراتي الذي يظهر أحيانًا في ملفات الطاقة والموانئ والاستثمارات والممرات التجارية، ليس مجرد خلاف ثنائي عابر كما يظن البعض، بل يعكس اختلافًا عميقًا في الرؤية الاقتصادية والاستراتيجية. فالإمارات ترى نفسها مركزًا بحريًا عالميًا مفتوحًا على التجارة الدولية والموانئ والخدمات العابرة للقارات، بينما ترى السعودية نفسها مركز الثقل الجغرافي والبشري والصناعي الجديد في الجزيرة العربية.
أما عمان، فهي تمثل حالة خاصة جدًا داخل الخليج. تاريخيًا كانت قوة بحرية مستقلة مرتبطة بالمحيط الهندي أكثر من ارتباطها بصراعات الخليج الداخلية، ولهذا تحاول دائمًا الحفاظ على مسافة آمنة بينها وبين الاستقطابات الكبرى. وفي خضم هذا المشهد ظهرت خلال الفترات الماضية أحاديث وتحليلات متداولة تتحدث عن ضغوط أمريكية ورسائل تهديد غير مباشرة مرتبطة بعمان وموقعها الاستراتيجي، خصوصًا مع تصاعد التوتر حول مضيق هرمز وبحر العرب. ورغم أن كثيرًا من هذه الطروحات تبقى في إطار التسريبات والتحليلات السياسية غير المؤكدة رسميًا، إلا أنها تعكس حجم الحساسية الجيوسياسية التي تمثلها عمان في أي ترتيبات إقليمية قادمة، باعتبارها البوابة البحرية الأهم خارج الاختناق التقليدي لمضيق هرمز.
ولهذا يرى بعض المراقبين أن أي محاولات لعزل عمان أو إخافتها أو دفعها بعيدًا عن التوازن الخليجي قد تكون جزءًا من لعبة إعادة تشكيل النفوذ في المنطقة، خصوصًا أن عمان تمثل بوابة بحر العرب والمحيط الهندي، وهي نقطة استراتيجية بالغة الحساسية في أي مشاريع مستقبلية تتعلق بالهروب من اختناق مضيق هرمز.
وفي الخلفية تتحرك القوى الكبرى بطريقتها التقليدية. فالقوى الدولية لا تنظر عادة إلى الخليج ككتلة واحدة، بل كمجموعة مراكز نفوذ يمكن موازنتها ببعضها: قوة نفطية، وقوة بحرية، وقوة مالية، وقوة لوجستية، وقوة سياسية ودينية. ولهذا فإن تضخيم الخلافات الخليجية يخدم أحيانًا هدف منع ظهور مركز خليجي موحد يمتلك قرار الطاقة والممرات البحرية والتمويل العالمي في آنٍ واحد.
كما أن التهديدات الإيرانية المتكررة لمضيق هرمز ساهمت بصورة غير مباشرة في تسريع هذا التحول الكبير داخل الخليج. فبدل أن تدفع الجميع إلى وحدة كاملة، بدأت كل دولة خليجية تبني “شبكة الأمان الخاصة بها”: موانئ بديلة، وخطوط أنابيب، وممرات برية، ومناطق لوجستية، وتحالفات اقتصادية، ومنافذ على بحر العرب والبحر الأحمر. وهنا بدأت المنطقة تدخل فعليًا مرحلة “الخليج متعدد المسارات”، أي أن كل دولة أصبحت تبني نموذجها الاقتصادي والأمني الخاص داخل الإطار الخليجي العام.
لكن رغم كل ذلك، تبقى هناك حقيقة استراتيجية لا يمكن تجاهلها، وهي أن أي تفكك حقيقي للخليج سيضر الجميع بلا استثناء. فالخليج اليوم ليس مجرد تجمع سياسي، بل عقدة رئيسية في الطاقة العالمية والتضخم العالمي والتجارة البحرية وسلاسل الإمداد والتمويل والاستقرار الاقتصادي الدولي.
ولهذا فإن الصراع الحقيقي في الخليج خلال السنوات القادمة قد لا يكون عسكريًا بقدر ما سيكون صراعًا على الموانئ والممرات والسكك الحديدية والتمويل والطاقة والقدرة على ربط آسيا بأوروبا وأفريقيا.
الخليج اليوم يقف فعلًا على مفترق طرق: إما أن يتحول إلى منظومة تكامل اقتصادي عملاقة تجمع البحر والبر والصناعة والطاقة، وإما أن تتحول التنافسات الحالية إلى شروخ جيوسياسية طويلة المدى تستفيد منها القوى الكبرى أكثر من أبناء المنطقة أنفسهم.
المصادر والمراجع: الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment