حتى إيران تهرب من هرمز... فماذا ينتظر الخليج

حتى إيران تهرب من هرمز... فماذا ينتظر الخليج؟

تحليل سياسي/اقتصادي – إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة – 22 يونيو 2026

منذ عقود طويلة كانت إيران تقدم نفسها باعتبارها الحارس الأول لمضيق هرمز، وتتعامل مع المضيق باعتباره أحد أهم مصادر قوتها الاستراتيجية في مواجهة العالم. لكن المفارقة التي بدأت تظهر اليوم هي أن إيران نفسها تستثمر مليارات الدولارات في تطوير سواحل مكران وميناء تشابهار على بحر العرب، وتسعى إلى ربط قلب الدولة الإيرانية بالسواحل الجنوبية المفتوحة بعيداً عن هرمز.

هذه المفارقة تطرح سؤالاً مهماً: إذا كانت إيران نفسها تبحث عن بديل لهرمز، فلماذا لا يفكر الخليج بالمنطق نفسه؟

إن مشروع مكران لا يعكس مجرد خطة تنموية، بل اعترافاً عملياً بأن الاعتماد الكامل على مضيق هرمز يحمل مخاطر استراتيجية كبيرة. فالدول لا تنفق المليارات لإنشاء موانئ وطرق وسكك حديدية ومدن جديدة إلا عندما تدرك أن الجغرافيا الحالية لم تعد كافية لمواجهة تحديات المستقبل.

طهران التي بنت جزءاً كبيراً من نفوذها السياسي على التلويح بإغلاق المضيق، تبدو اليوم وكأنها تعمل على تقليل اعتمادها عليه. فميناء تشابهار يوفر منفذاً مباشراً إلى بحر العرب والمحيط الهندي دون المرور بالمضيق، ويمنح إيران قدرة أكبر على الاستمرار في التجارة حتى في أوقات الأزمات.

وبينما تتحرك إيران جنوباً، فإن دول الخليج تجد نفسها أمام حقيقة مشابهة. فمعظم صادرات النفط والغاز الخليجية ما زالت تمر عبر ممر مائي ضيق يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى نقطة توتر دولي أو إقليمي. ولذلك فإن الدرس الأهم من مشروع مكران ليس ما تفعله إيران، بل ما يجب أن يفعله الخليج.

لقد بدأت بعض دول الخليج بالفعل في بناء بدائل استراتيجية. فالإمارات طورت موانئها على خليج عمان، والسعودية تملك منافذ واسعة على البحر الأحمر، وتعمل على تطوير شبكات نقل وموانئ عملاقة. لكن المرحلة القادمة تتطلب رؤية خليجية أكثر تكاملاً، تقوم على تعدد المنافذ البحرية وخطوط الأنابيب والربط اللوجستي بين دول المجلس.

وإذا كانت إيران ترى أن مستقبلها الاقتصادي يتطلب الانفتاح على بحر العرب، فإن الخليج يملك فرصة أكبر لبناء شبكة منافذ تمتد من البحر الأحمر إلى بحر العرب والخليج العربي في آن واحد. وهذا التنوع يمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات ويقلل من مخاطر الاعتماد على ممر واحد.

ومن المفارقات اللافتة أن السلاح الذي استخدمته إيران لعقود كورقة ضغط سياسية، وهو التهديد بإغلاق هرمز، أصبح دافعاً لإيران نفسها للبحث عن طرق بديلة. فالدول في النهاية لا تثق بالشعارات بقدر ما تثق بالجغرافيا والاقتصاد والمصالح طويلة الأمد.

إن الرسالة التي يبعثها مشروع مكران واضحة: حتى إيران لم تعد تراهن على هرمز وحده. وإذا كانت طهران تبحث عن مخارج جديدة نحو البحار المفتوحة، فإن على الخليج أن يسرع في بناء منظومته اللوجستية والاقتصادية المشتركة، لأن مستقبل المنطقة لن يصنعه المضيق وحده، بل تصنعه القدرة على تجاوز أي مضيق.

لقد كان هرمز لعقود مصدر قوة ونفوذ وثروة، لكنه قد يتحول في المستقبل إلى نقطة اختناق للجميع. والدول التي تستعد لليوم الذي يأتي بعد هرمز هي التي ستملك اليد العليا في اقتصاد المنطقة خلال العقود القادمة.

المصادر والمراجع: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ وكالة الطاقة الدولية، تقرير الغاز 2025.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟