الغاز القطري والأمريكي- من المستفيد من إغلاق هرمز
قطر تشتري الغاز الأمريكي لتفي بعقودها بينما غازها محاصر في الخليج… من المستفيد من إغلاق هرمز؟
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – 9 أكتوبر 2026
لم يكن أحد يتصور أن تصل دولة قطر، إحدى أكبر الدول المصدرة للغاز الطبيعي المسال في العالم، إلى وضع تضطر فيه إلى شراء الغاز الأمريكي لتسليمه إلى عملائها الآسيويين، بينما تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز ومنشآت إنتاج وتسييل متطورة، ولكنها تواجه إغلاقًا فعليًا لطريق التصدير عبر مضيق هرمز. إنها مفارقة اقتصادية وسياسية تكشف حجم الخلل في أمن الطاقة الخليجي، وتطرح سؤالًا لا يجوز تجاهله: كيف أصبحت الولايات المتحدة مستفيدة تجاريًا من أزمة شاركت سياساتها العسكرية في إشعالها؟
في 30 يوليو 2026، كشفت وكالة رويترز أن قطر للطاقة اشترت 33 شحنة من الغاز الطبيعي المسال الأمريكي، بقيمة تقارب مليار دولار، لتلبية احتياجات عملائها في اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والهند وبنغلاديش. ولم تكن هذه المشتريات أمرًا اعتياديًا؛ فقد اشترت الشركة أربع شحنات أمريكية فقط خلال العام السابق. وهذه الأرقام تكشف تحولًا استثنائيًا في حركة التجارة العالمية للغاز.
الأمر الأكثر إثارة أن قطر لم تكن عاجزة عن إنتاج الغاز بسبب نفاد مواردها، بل واجهت تعطيلًا كبيرًا في قدرتها على تصديره، إلى جانب الأضرار التي أصابت منشآتها في رأس لفان. وهكذا تحولت الدولة المصدرة إلى مشترٍ من منافسها الأمريكي، للمحافظة على علاقاتها التجارية وسمعتها لدى المستهلكين.
من يحاصر الغاز القطري؟
بدأت الأزمة العسكرية الحالية مع الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران في فبراير 2026، ثم الردود الإيرانية التي طالت أمن الملاحة والمنشآت الخليجية. وقد تحول مضيق هرمز إلى أداة ضغط سياسي وعسكري واقتصادي، بينما دفعت الدول الخليجية ثمن صراع لم تكن هي من اختار توقيته أو أهدافه.
وبحسب وكالة الطاقة الدولية، كان نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية يمر عبر المضيق، وكانت قطر والإمارات تمثلان معظم هذه الكميات. وعندما تعطلت الملاحة، لم تتضرر إيران والولايات المتحدة بالقدر نفسه؛ بل وقع العبء الأكبر على الدول الخليجية المصدرة وعلى المستهلكين الآسيويين.
وفي 4 أكتوبر، نقلت رويترز تمسك إيران بشروط سياسية وأمنية لإعادة فتح المضيق، رغم المفاوضات والاتفاق المرحلي مع الولايات المتحدة. وفي 5 أكتوبر أفادت الوكالة بعبور شحنات قطرية إضافية، لكن هذا التحسن الجزئي لا يعني عودة الملاحة الطبيعية. فالخليج لا يزال يفتقر إلى ضمان مستقر لحركة صادراته.
وهنا تظهر المسؤولية الأمريكية السياسية. فالولايات المتحدة ليست مجرد وسيط يحاول حل الأزمة، بل طرف عسكري رئيسي فيها. ومن غير المقبول إعفاء واشنطن من نتائج قراراتها العسكرية، ثم تصويرها باعتبارها الجهة الوحيدة القادرة على إعادة الأمن إلى المنطقة.
ترامب وحصار قطر… هل يتكرر المشهد بصورة مختلفة؟
في يونيو 2017، فرضت السعودية والإمارات والبحرين ومصر حصارًا ومقاطعة على قطر. ولم يكتفِ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمراقبة الأزمة، بل أعلن تأييده العلني للتحركات ضد الدوحة، وربطها بزيارته إلى الرياض، كما وثقت وكالة فرانس برس وصحيفة الغارديان.
كان ذلك موقفًا خطيرًا من رئيس دولة ترتبط بقطر بعلاقات أمنية وعسكرية واسعة. ورغم أن مؤسسات أمريكية أخرى اتخذت مواقف أكثر ميلًا إلى التهدئة، فإن تصريحات ترامب منحت الحصار دعمًا سياسيًا من أعلى مستوى أمريكي.
واليوم، بعد تسع سنوات، تواجه قطر أزمة مختلفة في أدواتها، لكنها تثير التساؤل نفسه: لماذا تصبح المصالح الاقتصادية القطرية عرضة لضغوط إقليمية كبرى في ظل سياسات أمريكية لا توفر لها الحماية المطلوبة؟
في عام 2017 كان الحصار بريًا وجويًا وسياسيًا، أما في عام 2026 فأصبح تعطيل الملاحة عبر هرمز يهدد شريان تصدير الغاز القطري. ولا يعني هذا أن الولايات المتحدة وإيران تنسقان لإغلاق المضيق؛ فذلك يحتاج إلى دليل مستقل. لكن النتيجة الاقتصادية واضحة: تعطلت صادرات خليجية، وازدادت الفرص التجارية أمام منتجي الغاز الأمريكي.
أمريكا تربح من الأزمة التي تشارك في صناعتها
ذكرت صحيفة واشنطن بوست في مارس 2026 أن شركات الغاز الأمريكية كانت من أبرز المستفيدين من اضطراب الإمدادات الخليجية. واتجه مستهلكون آسيويون إلى البحث عن مصادر أمريكية بديلة، بينما تعززت المكانة التجارية والسياسية للغاز الأمريكي.
كما أوضحت وكالة الطاقة الدولية أن الإنتاج الإضافي من أمريكا الشمالية ومناطق أخرى ساهم في تعويض جانب كبير من نقص الغاز الخليجي خلال الأشهر الأولى للأزمة.
والمفارقة أن قطر نفسها أصبحت من المشترين للغاز الأمريكي. وهنا يجب التمييز بين أمرين: الاستفادة الأمريكية من الأزمة حقيقة تدعمها بيانات السوق، أما القول إن واشنطن تعمدت إغلاق هرمز بهدف بيع الغاز، فهو استنتاج سياسي لا تثبته المبيعات وحدها.
لكن غياب الدليل على القصد التجاري لا يعفي الإدارة الأمريكية من مسؤولية حساب النتائج الاقتصادية لقراراتها العسكرية. فالدول الكبرى تعرف جيدًا أن تعطيل خُمس تجارة الغاز المسال العالمية سيعيد توزيع الأسواق والعقود والأسعار لمصلحة منتجين آخرين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة.
هل أصبحت قطر تمول منافسيها؟
حين تشتري قطر شحنات أمريكية لتسليمها إلى عملائها، فإنها تحافظ على علاقاتها التجارية، لكنها في الوقت نفسه تنقل جزءًا من قيمة تجارتها إلى منتجين منافسين. وهذه ليست خسارة تجارية عادية، بل نتيجة لخلل استراتيجي في منظومة تصدير الطاقة الخليجية.
الأخطر من الخسارة المباشرة احتمال تغير سلوك المستهلكين على المدى الطويل. فالمشتري الآسيوي الذي يخشى تعطل الإمدادات قد يقرر تنويع عقوده وزيادة اعتماده على الغاز الأمريكي، حتى بعد استعادة قطر قدرتها التصديرية.
وهكذا يمكن أن تتحول أزمة مؤقتة في الملاحة إلى خسارة مستمرة في الحصة السوقية، وهو خطر يتجاوز قيمة الشحنات التي اضطرت قطر إلى شرائها.
لماذا لم تبنِ دول الخليج طريقًا بديلًا؟
تكشف الأزمة خطأً استراتيجيًا تراكم عبر عقود، وهو الاعتماد المفرط على مضيق هرمز رغم معرفة الجميع بإمكانية تعطيله.
تملك قطر خبرة عالمية في الغاز الطبيعي المسال، وفي تحويل الغاز إلى سوائل عبر تقنية GTL، لكنها لا تملك حتى الآن طريقًا تصديريًا بديلًا قادرًا على نقل معظم إنتاجها إلى الأسواق العالمية خارج المضيق.
ولذلك ينبغي إعادة دراسة مشروع خليجي مشترك لإنشاء خطوط أنابيب تنقل الغاز الطبيعي، بما فيه الغاز المضغوط قبل تسييله، من الحقول القطرية إلى منشآت جديدة على بحر العرب عبر عُمان، أو إلى منافذ أخرى آمنة.
ولا بد من الاعتراف بأن الغاز المسال نفسه لا يُنقل بخطوط الغاز التقليدية؛ بل يجب نقل الغاز في حالته الغازية ثم تسييله مجددًا في منشآت خارج المضيق. وقد أوضح وزير الدولة لشؤون الطاقة سعد الكعبي في سبتمبر أن ازدواج منشآت التسييل لا يبدو مجديًا وفق الحسابات التجارية والفنية الحالية.
لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: هل أخذت الحسابات التقليدية في الاعتبار تكلفة إغلاق المضيق لأشهر، وشراء الغاز من المنافسين، وفقدان العملاء، والأضرار التي تصيب الاقتصاد الوطني؟
فما يبدو غير مجدٍ في الظروف الطبيعية قد يصبح ضرورة استراتيجية عندما تتكرر الأزمات.
الخليج بحاجة إلى استقلال اقتصادي لا إلى وعود الحماية
لقد أثبتت الأزمة أن أمن الطاقة الخليجي لا يجوز أن يبقى معتمدًا على توازنات القوة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، ولا على وعود متكررة بإعادة فتح المضيق.
ويجب أن تتعامل دول مجلس التعاون مع حرية تصدير النفط والغاز باعتبارها مصلحة اقتصادية مشتركة، وأن تبحث اتفاقية خليجية موحدة لتمويل ممرات تصدير بديلة، بدل أن تنفرد كل دولة بمواجهة المخاطر والتكاليف.
كما ينبغي إعادة تقييم العلاقات الاقتصادية مع الدول التي تؤثر قراراتها العسكرية في أمن الصادرات الخليجية، وربط التعاون الاستراتيجي بمصالح متبادلة والتزامات واضحة تجاه أمن التجارة والطاقة.
إن قطر لم تفقد غازها، لكنها فقدت جانبًا كبيرًا من حرية نقله إلى الأسواق. وهذا أخطر من مشكلة الإنتاج، لأن الثروة التي لا تستطيع الوصول إلى المستهلك تصبح رهينة الجغرافيا والصراع السياسي.
والسؤال الذي يجب أن يبقى أمام شعوب الخليج وحكوماتها هو: إلى متى تستمر دولنا في تحمل تكاليف الحروب والصراعات، بينما تتجه عقود الطاقة والأرباح إلى منافسين خارج المنطقة؟
إن شراء قطر الغاز الأمريكي لتسليمه إلى عملائها ليس مجرد خبر تجاري، بل إنذار استراتيجي لدول الخليج جميعًا بأن السيادة على الموارد الطبيعية لا تكتمل إلا بالسيادة على طرق تصديرها.
المصادر والمراجع: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ الأمم المتحدة، اتفاقية قانون البحار (الأحكام المتعلقة بالمضائق)؛ الأونكتاد، مراجعة النقل البحري 2025.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment