خط الفجيرة- عودة الأنابيب إلى التخطيط الخليجي

العنوان:

خط الإمارات الجديد إلى الفجيرة… عودة الأنابيب الكبرى في الفكر الإستراتيجي الخليجي

تحليل اقتصادي – إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – محلل اقتصاد وتسويق – الدوحة – 21 مايو 2026

في الأسابيع الماضية عاد ملف الأنابيب العملاقة بقوة إلى الخليج، بعد إعلان الإمارات تسريع تنفيذ مشروع “West-East 1” الجديد، وهو مشروع ضخم يهدف إلى مضاعفة قدرة تصدير النفط الإماراتي عبر الفجيرة بعيدًا عن مضيق هرمز. والمثير أن المشروع لا يُقدَّم فقط كمشروع نفطي، بل كجزء من إعادة رسم الخريطة الإستراتيجية للطاقة في الخليج كله.

المشروع في جوهره امتداد لفكرة قديمة في العقل الخليجي: كيف يمكن استمرار تصدير النفط حتى لو تعطل مضيق هرمز أو أصبح منطقة خطر دائم؟ ولهذا فإن الإمارات لا تبني مجرد أنبوب إضافي، بل تبني “مسارًا سياديًا بديلًا” للطاقة نحو بحر العرب والمحيط الهندي.

الخط الجديد سوف يربط مناطق التخزين والطاقة غرب أبوظبي باتجاه الفجيرة على خليج عمان، ليعمل بالتكامل مع خط حبشان–الفجيرة الحالي الذي افتتح عام 2012. أما المشروع الجديد فسيضاعف تقريبًا القدرة الحالية للتصدير خارج هرمز، وهو ما تعتبره أبوظبي اليوم ضرورة أمن قومي وليس مجرد توسعة اقتصادية.

ووفق التقارير الفنية، يبلغ طول المشروع الجديد قرابة 500 إلى 520 كيلومترًا تقريبًا، مع قطر ضخم يصل إلى 48 إنشًا، وهي مواصفات قريبة من خطوط النفط العملاقة عالميًا. والخط يمتد من منطقة جبل الظنة ومراكز الطاقة غرب أبوظبي مرورًا بداخل الأراضي الإماراتية حتى يصل إلى منشآت الفجيرة على بحر العرب.

خريطة مرور الخط تعكس التفكير الجيوسياسي للمشروع. فالأنبوب يتحرك بالكامل تقريبًا داخل الأراضي الإماراتية بعيدًا عن المناطق البحرية الحساسة، ويتجه شرقًا عبر عمق الدولة حتى يصل مباشرة إلى ساحل خليج عمان، أي خارج “عنق الزجاجة” في مضيق هرمز. وهذه النقطة تحديدًا هي جوهر المشروع الحقيقي.

المثير للاهتمام أن الإمارات قررت تسريع التنفيذ بصورة غير معتادة. فالمشروع الذي كان مخططًا له على مدى أطول، صدرت توجيهات عليا بإنجازه بسرعة كبيرة، مع استهداف التشغيل الكامل بحلول 2027، وبعض التقارير تتحدث عن بدء تشغيل جزئي قبل ذلك.

السؤال هنا: كيف تستطيع الإمارات تنفيذ مشروع بهذا الحجم بهذه السرعة؟

الجواب يرتبط بعدة عوامل مهمة. أولًا، الإمارات لا تبدأ من الصفر، فهي تمتلك أصلًا بنية تحتية ضخمة جاهزة في الفجيرة وخط حبشان القديم ومحطات ضخ وخزانات وموانئ تصدير متقدمة جدًا.

ثانيًا، الإمارات تمتلك خبرة طويلة في تنفيذ مشاريع الطاقة العملاقة بسرعة عالية، وخاصة عبر أدنوك وشراكاتها الدولية مع شركات صينية وآسيوية وغربية عملت سابقًا على خطوط النفط والغاز داخل الدولة.

ثالثًا، طبيعة الجغرافيا الإماراتية تساعد نسبيًا مقارنة بدول أخرى؛ فالمسار داخل دولة مستقرة إداريًا وأمنيًا وبمسافات أقصر نسبيًا من مشاريع عابرة لعدة دول وحدود سياسية معقدة.

أما العامل الرابع فهو الأهم: الإمارات تنظر إلى عامل الوقت باعتباره جزءًا من الأمن الإستراتيجي. فكل شهر تأخير يعني استمرار الاعتماد الكبير على هرمز في ظل بيئة إقليمية شديدة الحساسية.

ولهذا نلاحظ أن المشروع لا يُناقش اليوم بلغة النفط التقليدية فقط، بل بلغة “المرونة الإستراتيجية” و”استمرارية التصدير أثناء الأزمات”. وهي نفس الفلسفة التي دفعت السعودية سابقًا لبناء خط شرق–غرب إلى ينبع أثناء الحرب العراقية الإيرانية.

لكن الخلاصة الأهم في كل هذا المشهد أن مشاريع الأنابيب الخليجية لم تكن يومًا مجرد مشاريع اقتصادية عادية، بل كانت دائمًا جزءًا من معركة البقاء الإستراتيجي وحماية تدفق الطاقة والتجارة في واحدة من أهم مناطق العالم.

ولهذا فإن ما تفعله الإمارات اليوم عبر تسريع خطوطها الجديدة نحو الفجيرة يؤكد أن الفكر الإستراتيجي الخليجي لم يتوقف يومًا عن البحث عن بدائل ومسارات جديدة تتجاوز الأزمات والضغوط الجيوسياسية.

كما أن الرسالة التي يبعثها الخليج اليوم إلى العالم وإلى عملائه في آسيا وأوروبا واضحة جدًا: أن أمن الطاقة الخليجية لن يبقى رهينة التوترات العابرة، وأن دول الخليج تملك من الخبرة والقدرات المالية والهندسية ما يسمح لها بإعادة تشكيل خرائط الطاقة كلما ظهرت التحديات.

أما الرسالة الأوضح إلى إيران، فهي أن سياسة الضغط عبر المضائق أو التهديدات البحرية لم تعد كما كانت في العقود الماضية. فدول الخليج نفسها أصبحت من رواد صناعة الطاقة عالميًا، وتمتلك خبرة تراكمية ضخمة في بناء الأنابيب والموانئ والبدائل اللوجستية وأسواق الطاقة، بل أصبحت قادرة على إعادة هندسة طرق التصدير نفسها إذا لزم الأمر.

ولهذا فإن محاولة ليّ ذراع الخليج في ملف الطاقة تبدو اليوم أكثر صعوبة من أي وقت مضى، لأن دول الخليج لم تعد مجرد منتج نفط خام فقط، بل تحولت إلى مراكز عالمية متقدمة في إدارة الطاقة والتجارة واللوجستيات والتمويل المرتبط بها.

فمن يقود صناعة الطاقة لعقود طويلة… يعرف دائمًا كيف يعيد رسم الطرق عندما تتغير الجغرافيا السياسية.

🄯 جميع الحقوق محفوظة © عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة 2026

يحظر إعادة النشر أو الترجمة أو الاقتباس الجزئي إلا بإذن خطي من المؤلف.

المصادر والمراجع: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ وكالة الطاقة الدولية، تقرير الغاز 2025.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟