أوراق الخليج الاقتصادية في مواجهة تعطل هرمز
أوراق الخليج الاقتصادية ضد أمريكا… كيف نجعل تعطيل هرمز مكلفًا لواشنطن؟
قبل أن تخسر دول الخليج عملاءها وأسواقها العالمية
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – 9 أكتوبر 2026
لم يعد مقبولًا أن تتحمل شعوب الخليج الخسائر الاقتصادية الناتجة عن أزمة مضيق هرمز، بينما تستمر العلاقات التجارية والاستثمارية مع الولايات المتحدة وكأن شيئًا لم يحدث. فدول الخليج التي أنفقت مئات المليارات على شراء الأسلحة الأمريكية، واستثمرت أموالًا ضخمة في الاقتصاد الأمريكي، وفتحت أسواقها أمام شركاته، تجد نفسها أمام أزمة تهدد صادراتها النفطية والغازية ومستقبل علاقاتها التجارية مع آسيا وأوروبا.
والمفارقة أن الولايات المتحدة، الحليف العسكري الرئيسي لدول الخليج، أصبحت منافسًا مباشرًا لها في أسواق الطاقة. فكلما تعطلت الصادرات الخليجية، ازدادت فرص الشركات الأمريكية في الحصول على عقود جديدة، قد يصعب على المنتجين الخليجيين استعادتها حتى بعد انتهاء الأزمة.
إن الأزمة تكشف اختلالًا خطيرًا في توزيع الخسائر والمكاسب. فالخليج يتحمل تعطيل الصادرات وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، بينما يستطيع قطاع الطاقة الأمريكي الاستفادة من ارتفاع الأسعار وانتقال الطلب إلى الموردين خارج المنطقة. ومن حق الشعوب الخليجية أن تتساءل عن مسؤولية السياسات الأمريكية التي ساهمت في تعريض المنطقة لهذه المخاطر.
والسؤال الذي يجب طرحه اليوم: لماذا تستمر دول الخليج في تقديم فرص استثمارية وتجارية هائلة للولايات المتحدة، دون ربط هذه المصالح الأمريكية بضمانات واضحة لحماية الملاحة الخليجية؟
إن المطلوب ليس بيانات احتجاج جديدة، وإنما استخدام القوة الاقتصادية الخليجية بصورة جماعية تجعل استمرار الأزمة مكلفًا للمصالح الأمريكية، بدلًا من أن تتحمل دول الخليج وحدها نتائجها.
وتبدأ هذه المراجعة بالاستثمارات السيادية الخليجية في الولايات المتحدة. فالصناديق الخليجية تدير أصولًا ضخمة، وتستطيع إعادة توجيه استثماراتها المستقبلية إلى أوروبا وآسيا والأسواق الأخرى. ويمكن دراسة تعليق الالتزامات الاستثمارية الأمريكية الجديدة إلى حين التوصل إلى ترتيبات تضمن حماية المصالح الاقتصادية الخليجية.
ولا يعني ذلك التسرع في بيع الاستثمارات القائمة أو سندات الخزانة الأمريكية، لأن مثل هذه القرارات قد تلحق خسائر مباشرة بأموال الشعوب. وإنما المقصود استخدام الاستثمارات المستقبلية كورقة تفاوض حقيقية، بحيث تدرك واشنطن أن استمرار تدفق الأموال الخليجية ليس أمرًا مضمونًا.
أما الورقة الثانية فهي المشتريات الحكومية والعقود التجارية الكبرى. فدول الخليج من الأسواق المهمة للطائرات والمعدات الصناعية والتكنولوجيا والخدمات الهندسية الأمريكية. ويمكن إعادة النظر في العقود الجديدة، وفتح المنافسة أمام الموردين الأوروبيين والآسيويين، وربط المشروعات المستقبلية بمصالح الخليج الاقتصادية والأمنية.
وتبرز هنا صفقات السلاح الأمريكية التي أنفقت عليها دول الخليج مبالغ هائلة خلال العقود الماضية. فإذا كان الهدف من هذه المشتريات حماية الأمن الوطني، فمن المشروع مراجعة جدوى العقود المستقبلية، وتنويع مصادر التسليح، وتطوير الصناعات الدفاعية المحلية، دون المساس بصيانة المعدات القائمة أو الجاهزية العسكرية.
أما الورقة الثالثة فهي السوق الخليجية نفسها. فالشركات الأمريكية تعمل في قطاعات الطاقة والطيران والتكنولوجيا والخدمات المالية والصناعية. ويمكن إعادة تنظيم سياسات المشتريات والاستثمار، بحيث تحصل الشركات التي تقدم نقلًا للتكنولوجيا وتوطينًا للإنتاج ومنافع اقتصادية حقيقية على فرص أكبر، بدلًا من استمرار الاعتماد على المورد الأمريكي بصورة تلقائية.
ولا يحتاج الخليج إلى إغلاق شامل لأسواقه حتى يمارس ضغطًا اقتصاديًا. فإعادة توجيه العقود الجديدة، وتأجيل بعض المشروعات غير الضرورية، وتنويع الموردين، قد تؤثر في مصالح الشركات الأمريكية دون تعطيل الخدمات الأساسية التي تحتاجها الشعوب الخليجية.
لكن الورقة الأكثر إلحاحًا تتعلق بعملاء الخليج في آسيا وأوروبا. فالصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية تعتمد بدرجات متفاوتة على الطاقة الخليجية، وهي دول تتضرر أيضًا من اضطراب الإمدادات. ومن مصلحتها المحافظة على المورد الخليجي وعدم السماح بتحول الأزمة إلى فقدان دائم لحصته في الأسواق العالمية.
ولهذا ينبغي أن تتحرك دول الخليج فورًا نحو عملائها الرئيسيين، ليس فقط للمحافظة على العقود القائمة، وإنما لإنشاء ترتيبات طويلة الأجل تضمن استمرار الإمدادات، وتمويل خطوط أنابيب وموانئ بديلة خارج هرمز، وتقاسم تكاليف تأمين طرق التجارة.
إن الخطر الأكبر ليس خسارة شحنة نفط أو غاز اليوم، بل انتقال العميل إلى مورد أمريكي وتوقيع عقد طويل الأجل معه، ثم اكتشاف المنتج الخليجي بعد سنوات أن المضيق فُتح، لكن السوق التي خسرها لم تعد إليه.
أما العلاقة الأمنية مع واشنطن، فيجب أن تخضع لمراجعة اقتصادية شاملة. فقد استضافت دول الخليج قواعد وتسهيلات عسكرية أمريكية، وأبرمت اتفاقيات وصفقات ضخمة، وكان من أهداف هذه العلاقات حماية الاستقرار والملاحة. فإذا أصبحت طرق التجارة نفسها معرضة للتعطيل، فمن حق الدول الخليجية المطالبة بتحديد المسؤوليات والضمانات بصورة واضحة.
ويمكن إنشاء آلية خليجية مشتركة لتقدير الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تعطيل الملاحة، ودراسة المسؤوليات القانونية والسياسية للأطراف المتسببة فيها، وربط المفاوضات الاقتصادية المستقبلية بترتيبات عملية لحماية السفن والصادرات.
لكن قوة الخليج الحقيقية لا تكمن في قرارات منفردة تتخذها كل دولة، وإنما في موقف اقتصادي جماعي ينسق الاستثمارات السيادية والمشتريات الحكومية والعقود التجارية والمفاوضات مع القوى الدولية.
فالسوق الخليجية مجتمعة أكبر تأثيرًا من أسواق دولها منفردة، وتوجيه الاستثمارات والمشتريات بصورة منسقة يمنحها وزنًا تفاوضيًا لا ينبغي الاستهانة به.
ولا بد أن تراعي هذه الإجراءات حماية الاقتصاد الخليجي نفسه. فتعطيل الخدمات الحيوية أو فرض قيود تضر بالمستهلك والمستثمر الخليجي قد يحول الضغط الاقتصادي إلى خسارة إضافية. ولذلك ينبغي أن تكون الإجراءات مدروسة وقانونية ومحددة الأهداف، مع المحافظة على المصالح الوطنية طويلة الأجل.
إن شعوب الخليج لا تطالب بعداء دائم مع الولايات المتحدة، لكنها تملك الحق في علاقات اقتصادية متوازنة لا تتحول فيها الثروة الخليجية إلى مصدر للفرص الأمريكية، بينما تبقى صادرات الخليج رهينة للأزمات العسكرية.
لقد حان الوقت لأن تدرك واشنطن أن استمرار مصالحها التجارية والاستثمارية في الخليج يجب أن يرتبط بمدى احترام المصالح الاقتصادية الخليجية وحماية حرية تجارتها.
فإذا كانت الولايات المتحدة تعتبر مصالحها الاقتصادية جزءًا من أمنها القومي، فمن حق دول الخليج أن تتعامل مع أموالها وأسواقها وثرواتها بالمنطق نفسه.
والخلاصة أن الخليج لا ينبغي أن يدفع ثمن الأزمة مرتين: مرة بتعطيل صادراته، ومرة بفقدان عملائه لصالح منافسين أمريكيين. ولا يجوز أن تبقى الأسواق الخليجية مفتوحة دون مراجعة، بينما تصبح طرق تصدير ثرواتها خاضعة لقرارات الآخرين.
إن القوة الاقتصادية الخليجية موجودة، لكن قيمتها الحقيقية تبدأ عندما تتحول من أموال تُنفق واستثمارات تُمنح إلى أدوات تفاوض تحمي مصالح الشعوب ومستقبل أجيالها.
المصادر والمراجع: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ الأمم المتحدة، اتفاقية قانون البحار (الأحكام المتعلقة بالمضائق)؛ الأونكتاد، مراجعة النقل البحري 2025.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment