الضرائب للأمن الجماعي والريع لرفاهية المواطنين

من دولة الثروة إلى دولة المواطن.. الضرائب لتمويل الأمن الخليجي الجماعي والريع النفطي لرفاهية الشعوب

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع

الدوحة – 21 أكتوبر 2026

لقد استطاعت دول الخليج خلال العقود الماضية بناء أجهزة أمن داخلي متطورة، ومؤسسات إدارية واسعة، واقتصادات غنية تعتمد على النفط والغاز. غير أن هذا التطور لم يصاحبه بناء منظومة أمن جماعي بالمستوى الذي تتطلبه حماية شعوب الخليج وحدودها ومنافذها ومضائقها البحرية. وهذه المفارقة لا يمكن تفسيرها بنقص المال أو الإمكانات، وإنما تستدعي البحث في طبيعة الدولة الخليجية الحديثة، وكيف تشكلت علاقتها بالثروة والمجتمع والأمن.

فالدولة الخليجية الحديثة تطورت مؤسساتها الاقتصادية حول السيطرة على الموارد النفطية والغازية الموجودة داخل حدودها الجغرافية. وأصبحت إدارة الإنتاج والإيرادات وتوزيع الثروة وتمويل المؤسسات والخدمات من أهم وظائفها. وهكذا نشأت ست منظومات وطنية لإدارة الثروة، بينما بقي الأمن الجغرافي المشترك أقل تكاملًا، رغم أن المخاطر التي تواجه شعوب المنطقة لا تتوقف عند الحدود الوطنية.

وقد تناول الباحث رولف شفارتز هذه الظاهرة في دراسته المنشورة عام 2008 في مجلة الاقتصاد السياسي الدولي، موضحًا أن الدولة الريعية تستطيع تطوير وظائف الأمن والرفاه الاجتماعي بفضل الإيرادات النفطية، دون أن يصاحب ذلك بالضرورة تطور مماثل في المشاركة السياسية والمساءلة والشفافية.

وتكشف هذه النظرية عن جانب مهم من التجربة الخليجية. فالدولة التي تحصل على إيراداتها الأساسية من بيع النفط والغاز لا تعتمد ماليًا على الضرائب المباشرة التي يدفعها المواطنون بالدرجة نفسها التي تعتمد عليها الدول الضريبية. ولذلك يمكن أن تتطور مؤسسات الدولة بصورة واسعة دون أن تتطور العلاقة المالية بين المواطن وصناعة القرار العام بالمستوى نفسه.

ومن هنا تنشأ فكرة تستحق الدراسة: لماذا لا يعاد تنظيم العلاقة المالية بين الثروة والمواطن والأمن الخليجي، بحيث تخصص عوائد النفط والغاز لتمويل مؤسسات الدولة والخدمات العامة والتنمية الاقتصادية، بينما تستخدم إيرادات ضريبية معلنة ومستقلة لتمويل الأمن الجماعي الذي يحمي شعوب الخليج ومصيرها المشترك؟

إننا هنا لا نتحدث عن ضريبة إضافية لمجرد زيادة الإيرادات، وإنما عن تغيير في فلسفة التمويل العام، يجعل المواطن شريكًا مباشرًا في تحمل مسؤولية حماية أمنه ومستقبل أسرته، ويمنحه في المقابل وسائل واضحة لمراقبة الإنفاق والمساءلة عن نتائجه.

وتقدم الولايات المتحدة تجربة مهمة في توزيع الاختصاصات المالية بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات. فهناك ضريبة دخل اتحادية Federal Income Tax، إلى جانب ضرائب دخل تفرضها بعض الولايات، ولكل مستوى حكومي مسؤولياته المالية. وتساهم الإيرادات الاتحادية في تمويل الدفاع الوطني، إلى جانب التزامات عامة أخرى، دون أن تكون ضريبة الدخل الاتحادية مخصصة للدفاع وحده.

وليست الفكرة نقل النظام الأمريكي حرفيًا إلى الخليج، لأن مجلس التعاون ليس دولة اتحادية. وإنما الاستفادة من مبدأ الفصل بين المسؤوليات المالية الوطنية والمشتركة، وإنشاء مستوى مالي خليجي يتولى تمويل الأمن الذي لا تستطيع دولة واحدة ضمانه منفردة.

ويمكن تطبيق هذا التصور من خلال صندوق للأمن الجماعي، تتلقى موارده مساهمات ضريبية تجمعها المؤسسات الوطنية وفق اتفاقية خليجية ملزمة. وتخصص هذه الموارد لحماية الحدود المشتركة، والممرات البحرية، والدفاع الجوي والبحري، والأمن السيبراني، ومنشآت المياه والكهرباء، وشبكات الغذاء والدواء والاتصالات.

وفي المقابل، تظل إيرادات النفط والغاز موجهة أساسًا إلى التعليم والصحة والإسكان والتقاعد والمرافق والتنمية، مع الاحتفاظ بالمرونة اللازمة لمواجهة الأزمات الاقتصادية والالتزامات الوطنية الطارئة.

وهذا النظام لا يعني أن تتحمل الأسر محدودة الدخل تكاليف الدفاع، أو أن تفرض ضريبة متساوية على المواطنين رغم اختلاف قدراتهم المالية. فالعدالة تقتضي مساهمات تصاعدية مرتبطة بالدخل والقدرة على الدفع، وإعفاءات اجتماعية واضحة، ودراسة مشاركة الشركات الكبرى المستفيدة من استقرار المنطقة.

كما يمكن البدء بتخصيص حصص من الإيرادات الضريبية القائمة، قبل التفكير في فرض ضرائب جديدة. فالمطلوب إثبات جدوى المؤسسة الأمنية المشتركة، لا زيادة العبء المالي على المواطنين قبل وجود نتائج ملموسة.

وتقدم تجربة حلف شمال الأطلسي نموذجًا آخر يستحق الدراسة. إذ تمول الدول الأعضاء ميزانيات وبرامج مشتركة وفق حصص تستند إلى الدخل القومي، وتخضع الأموال لإجراءات رقابية وتدقيق مستقل. ويمكن الاستفادة من هذا المبدأ لتوزيع الأعباء بين دول الخليج بحسب قدراتها الاقتصادية، وليس بحسب عدد مواطنيها فقط.

لكن الجانب المالي ليس سوى نصف المشروع. أما النصف الآخر فهو المساءلة.

فعندما يدفع المواطن مساهمة محددة لحماية أمنه الجماعي، يصبح من الضروري أن يعرف حجم الميزانية، وطبيعة المشروعات، ونصيب دولته من التمويل، ومدى التقدم في تنفيذ الالتزامات المشتركة. كما ينبغي أن تتولى هيئة رقابية مستقلة مراجعة المصروفات، وأن تنشر تقارير سنوية متاحة للمجتمع، مع المحافظة على سرية المعلومات العسكرية الحساسة.

فالضريبة لا تمنح المواطن حقوقه تلقائيًا، ولا تضمن المشاركة بمجرد تحصيلها. ولكنها تستطيع أن تصبح جزءًا من عقد اجتماعي أكثر وضوحًا عندما تقترن بالشفافية والتمثيل والمساءلة.

وهنا نعود إلى أصل المشكلة الخليجية. فقد نجحت الثروة في تمويل قدرات واسعة لإدارة الأمن داخل حدود كل دولة، لكنها لم تنتج تلقائيًا تكاملًا مماثلًا في حماية الحدود والمضائق والمصالح المشتركة. كما أن الاعتماد على ترتيبات الحماية الخارجية جعل أمن المنطقة متأثرًا بحسابات القوى الكبرى، التي قد لا تتطابق مصالحها دائمًا مع مصالح الشعوب الخليجية.

ولا ينبغي أن تصبح حياة المواطن الخليجي رهينة لصراع أمريكي إيراني، أو مشروع توسع إسرائيلي، أو جماعات مسلحة تتبنى أيديولوجيات طائفية متطرفة، أو أي مواجهة خارجية تستخدم جغرافيا الخليج وسيلة للضغط وتحقيق المصالح.

فالمواطن الذي يعيش في الدوحة أو الرياض أو الكويت أو المنامة أو أبوظبي أو مسقط لا يحتاج إلى الشعور بالأمان داخل مدينته فقط، وإنما إلى الاطمئنان بأن حدود المنطقة وممراتها لن تتحول إلى مصدر تهديد دائم لمعيشته وعمله وتعليم أبنائه.

وإذا كان النفط والغاز قد أسهما في بناء الرفاهية الخليجية، فإن مستقبل الأجيال القادمة يحتاج إلى ما هو أبعد من الثروة. إنه يحتاج إلى منظومة أمنية تحمي المجتمع كله، وتمنع انتقال الصراعات الخارجية إلى البيوت والأسواق والمدارس والمستشفيات.

ومع ذلك، يجب ألا تصبح الضرائب غطاءً ماليًا لمؤسسات مشتركة لا تمتلك قرارًا واضحًا أو مسؤوليات محددة. فالمال لا يصنع وحدة استراتيجية إذا غابت الثقة والالتزامات المتبادلة. ولذلك فإن إنشاء النظام الضريبي المقترح يجب أن يقترن بإصلاح مؤسسي يضمن استخدام الأموال لتحقيق أمن جماعي فعلي.

إن الفكرة الأساسية ليست استبدال الريع بالضرائب، وإنما توزيع وظائفهما بطريقة جديدة. فالريع النفطي والغازي يمول رفاهية المجتمع وتنمية الاقتصاد الوطني، والمساهمة الضريبية الخليجية تمول حماية المصير المشترك، على أن تخضع للمساءلة والرقابة.

وهكذا يمكن أن تتطور العلاقة بين المواطن والثروة والأمن، من علاقة تقوم أساسًا على توزيع الإيرادات إلى علاقة تقوم أيضًا على المشاركة في تمويل الحماية المشتركة ومراقبة أدائها.

لقد حان الوقت لدراسة الانتقال من مفهوم الأمن الممول من الثروة وحدها إلى مفهوم الأمن الذي يشارك المجتمع في تمويله ومساءلة مؤسساته.

فالثروة ملك اقتصادي للأجيال، والضرائب مسؤولية مالية، والأمن الجماعي حق إنساني ومصلحة مشتركة.

ولا قيمة لثروة نورثها لأبنائنا إذا ورثوا معها حدودًا مهددة، ومضائق غير آمنة، واقتصادًا معرضًا للتعطيل، ومستقبلًا تتحكم فيه صراعات الآخرين.

إن الغاية ليست بناء صندوق مالي جديد، وإنما بناء عقد خليجي جديد تكون فيه كرامة الإنسان وسلامة أسرته ومستقبل الأجيال القادمة أساس الأمن الجماعي، وتصبح الثروة وسيلة لخدمة المجتمع، لا بديلًا عن مشاركته في حماية مصيره.

المراجع العلمية والمؤسسية التي استند إليها المقال: دراسة رولف شفارتز المنشورة عام 2008 في Review of International Political Economy ، ومعلومات مصلحة الضرائب الأمريكية بشأن الضرائب الاتحادية وضرائب الولايات ، ونظام التمويل المشترك والرقابة في حلف الناتو ، واتفاقية الدفاع المشترك الخليجي ومؤسساته ، ودراسة البنك الدولي بشأن مزايا ومخاطر تخصيص الإيرادات الضريبية .

المصادر والمراجع: البنك الدولي، بيانات ومؤشرات الحكم الرشيد؛ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقارير التنمية البشرية.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟