كيف حاولت واشنطن جر الخليج إلى حروبها

كيف حاولت واشنطن جرّ الخليج إلى حروبها… وكيف قلبت دول الخليج المعادلة في حرب 2026 مع إيران؟

منذ عقود، تحولت منطقة الخليج إلى مركز ثابت في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية. ومع كل أزمة كبرى، من حرب الناقلات إلى تحرير الكويت، ثم غزو العراق والحرب على داعش واليمن، كانت دول الخليج تجد نفسها أمام معادلة صعبة: الولايات المتحدة تقرر شكل المواجهة، بينما تتحمل المنطقة جانبًا كبيرًا من آثارها الأمنية والاقتصادية.

لم يكن الوجود الأمريكي في الخليج مجرد مظلة حماية، بل أصبح أيضًا جزءًا من إدارة الحروب الأمريكية في الشرق الأوسط. فقد استخدمت واشنطن القواعد والموانئ والمجالات الجوية الخليجية في عمليات متعددة، وهو ما جعل دول المنطقة مرتبطة بصراعات لم تكن دائمًا صاحبة القرار فيها.

في حرب الناقلات خلال الثمانينيات، دخلت البحرية الأمريكية لحماية الملاحة وناقلات النفط، لكن النتيجة كانت توسيع المواجهة بين واشنطن وطهران داخل مياه الخليج. وفي حرب تحرير الكويت عام 1991، كانت المشاركة الخليجية ضرورية ومشروعة بسبب احتلال دولة خليجية، إلا أن الحرب انتهت بترسيخ وجود عسكري أمريكي دائم في المنطقة.

ثم جاء غزو العراق عام 2003 ليكشف أخطر نتائج الاعتماد الكامل على القرار الأمريكي. فقد سقط النظام العراقي، لكن الفراغ الذي أعقب الحرب منح إيران نفوذًا واسعًا داخل العراق، وأزال أحد موازين القوة التي كانت تحد من تمددها. وهكذا دفعت دول الخليج لاحقًا ثمن حرب لم تحقق لها الاستقرار الموعود.

وفي الحرب على تنظيم داعش، شاركت دول خليجية ضمن التحالف الدولي لأن التنظيم شكل تهديدًا مباشرًا. أما في حرب اليمن، فقد دعمت الولايات المتحدة التحالف بقيادة السعودية بالسلاح والمعلومات والخدمات اللوجستية، لكنها احتفظت لنفسها بمسافة سياسية عندما ارتفعت الكلفة الإنسانية والسياسية للحرب.

من هذه التجارب تراكمت قناعة خليجية جديدة: التحالف مع الولايات المتحدة لا يعني أن مصالح واشنطن تتطابق دائمًا مع مصالح الخليج، وأن الحرب قد تبدأ بوعود سريعة، لكنها تنتهي غالبًا بفوضى طويلة تدفع المنطقة ثمنها.

لهذا اختلف الموقف الخليجي في حرب 2026 مع إيران. فقد حاول بعض السياسيين الأمريكيين، وفي مقدمتهم السناتور الراحل ليندسي غراهام، دفع دول الخليج إلى مشاركة أوسع في الحرب التي قادتها الولايات المتحدة وإسرائيل. وكان منطقه يقوم على أن الدول التي تستضيف القوات الأمريكية وتستفيد من الحماية الأمريكية يجب أن تشارك في مواجهة إيران.

لكن دول الخليج أدركت الخطر الكامن في هذه المعادلة. فإذا استخدمت القواعد الموجودة على أراضيها في ضرب إيران، ستعتبرها طهران جزءًا من الحرب. وإذا ردت إيران على تلك القواعد، سيطالب الساسة الأمريكيون دول الخليج بالدخول في القتال بحجة الدفاع عن الحليف. وهكذا يتحول الوجود العسكري الأجنبي من وسيلة للحماية إلى باب للتوريط.

قلبت دول الخليج هذا المخطط عبر الفصل بين التعاون الدفاعي والمشاركة الهجومية. فقد استمرت في حماية أراضيها ومنشآتها ومجالها الجوي، لكنها تجنبت التحول إلى شريك مباشر في قرار الحرب. كما ركزت على حماية منشآت الطاقة والموانئ والمطارات، وعلى إبقاء قنوات الاتصال الدبلوماسية مفتوحة لمنع توسع القتال.

ولم يكن هذا الموقف حيادًا ضعيفًا، بل نتيجة خبرة تاريخية. فقد تعلم الخليج من العراق أن إسقاط دولة لا يعني بناء استقرار، ومن اليمن أن الحرب الطويلة تستهلك المال والسمعة والقدرات، ومن حرب الناقلات أن حماية الملاحة قد تتحول إلى مواجهة مفتوحة، ومن حرب الكويت أن الضرورة الدفاعية يجب ألا تصبح تفويضًا دائمًا للقوى الخارجية.

كما استفادت دول الخليج من تنوع علاقاتها الدولية. فلم تعد تعتمد على قناة واحدة فقط، بل استخدمت اتصالاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا والصين وروسيا للضغط من أجل خفض التصعيد. وهذا التنوع منحها مساحة أكبر للمناورة، ومنع واشنطن من احتكار القرار السياسي الخليجي.

ورغم ذلك، لم تتمكن دول الخليج من تجنب كل الأضرار. فقد تعرضت بعض المواقع والقواعد والمنشآت لتهديدات أو هجمات، وتأثرت الملاحة وأسواق الطاقة والاستثمار. لكن الفارق أن المنطقة لم تتحول بالكامل إلى جبهة عربية مفتوحة ضد إيران، ولم تحصل واشنطن على التحالف الخليجي المقاتل الذي أراده بعض المتشددين.

النجاح الخليجي في 2026 لم يكن في منع الحرب، بل في منع تحولها إلى حرب خليجية شاملة. فقد رفضت العواصم الخليجية أن تكون أراضيها مجرد منصات للعمليات، أو أن تدفع شعوبها ومنشآتها ثمن مشروع صيغ في واشنطن وتل أبيب.

والدرس الأهم أن أمن الخليج لا يتحقق بالقطيعة مع الولايات المتحدة، ولا بالتبعية الكاملة لها، بل بعلاقة متوازنة تحفظ التعاون الدفاعي وتمنع الآخرين من امتلاك قرار الحرب.

لقد أظهرت تجربة 2026 أن دول الخليج أصبحت أكثر قدرة على التمييز بين حماية الحليف والانجرار وراءه، وبين استخدام التحالف للدفاع عن السيادة وتحويله إلى التزام مفتوح بحروب الآخرين.

وهكذا قلبت دول الخليج المعادلة: بدل أن تتحول إلى وقود لحرب أمريكية–إسرائيلية ضد إيران، استخدمت خبرتها التاريخية لحماية مصالحها، وتقليل خسائرها، والاحتفاظ بقرارها السياسي والعسكري.

المصادر المرجعية: تقارير رويترز ووكالات الأنباء الدولية، ودراسات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS، ومعهد بروكينغز، وأبحاث أنتوني كوردسمان وكينيث بولاك وريتشارد هاس وشبلي تلحمي، ووثائق وزارة الخارجية الأمريكية حول الحروب والسياسة الأمنية في الخليج.

المصادر والمراجع: الأمم المتحدة، ميثاق الأمم المتحدة؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟