السعودية وأمريكا من التبعية الأمنية إلى توازن المصالح

السعودية وأمريكا… من التبعية الأمنية إلى توازن المصالح

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – محلل اقتصاد وتسويق – الدوحة – 11 مايو 2026

مقال الأمير تركي الفيصل بعنوان «هكذا نجح محمد بن سلمان» لم يكن مجرد إشادة سياسية عابرة، بل بدا وكأنه إعلان غير مباشر عن ولادة مرحلة جديدة في طريقة تفكير الدولة السعودية. مرحلة تقول إن المملكة لم تعد ترى أن مصلحتها في الدخول في كل مواجهة تُرسم للمنطقة، بل في حماية مشروعها الاقتصادي واستقرارها الداخلي قبل أي شيء آخر.

العالم الذي تأسست فيه العلاقة التقليدية بين السعودية والولايات المتحدة لم يعد موجودًا كما كان. ففي الماضي كانت واشنطن تعتمد بشكل شبه كامل على نفط الخليج، وكانت دول الخليج تحتاج المظلة الغربية أمنيًا وعسكريًا بشكل لا يقبل المناورة. أما اليوم فقد تغيّر المشهد؛ أمريكا أصبحت أقل اعتمادًا على نفط المنطقة، والخليج أصبح أكثر ثراءً وخبرة وقدرة على بناء شبكات مصالح متعددة مع الشرق والغرب في آن واحد.

ولهذا لم تعد الرياض تتحرك بعقلية “الحليف التابع”، بل بعقلية الدولة التي تريد أن تكون شريكًا يملك قراره ومصالحه الخاصة. فالسعودية لا تريد خسارة أمريكا، لكنها أيضًا لا تريد أن تُستنزف في صراعات قد تعطل مشروعها الاقتصادي الضخم المرتبط برؤية 2030. ومن هنا نفهم لماذا ركز مقال تركي الفيصل على نجاح محمد بن سلمان في “تفادي الحرب” أكثر من التركيز على خوضها، لأن أخطر ما يمكن أن تواجهه دول الخليج اليوم ليس نقص السلاح، بل ضياع التنمية والاستقرار.

فالرياض تدرك أن أي حرب واسعة في الخليج قد تضرب الموانئ والطاقة والاستثمارات وسلاسل الإمداد، وقد تعيد المنطقة سنوات طويلة إلى الخلف. ولهذا تغيّر مفهوم القوة نفسه؛ فالقوة لم تعد فقط في الصواريخ والطائرات، بل في القدرة على إبقاء الاقتصاد حيًا، والأسواق مستقرة، والاستثمارات متدفقة، وتحويل الخليج إلى مركز عالمي للتجارة والطاقة والخدمات واللوجستيات.

وفي المقابل، تبدو السعودية اليوم وكأنها تحاول بناء سياسة توازن دقيقة؛ فهي ما زالت مرتبطة أمنيًا بالغرب، لكنها في الوقت نفسه توسع شراكاتها مع الصين اقتصاديًا، وتنسق مع روسيا في أسواق الطاقة عبر أوبك+، وتحاول إبقاء باب التهدئة مفتوحًا مع إيران رغم عمق الخلافات معها. وهذه ليست سياسة خروج من المظلة الغربية، بل سياسة تهدف إلى عدم الارتهان الكامل لأي طرف دولي واحد.

لكن التحدي الحقيقي قد يظهر إذا أرادت واشنطن تصعيدًا أكبر مع إيران بينما ترى الرياض أن المنطقة لم تعد تحتمل حروبًا جديدة. هنا قد تظهر خلافات في الأولويات بين الحليفين، لا قطيعة كاملة. فالسعودية تعلم أن الغرب ما زال مهمًا للأمن والتكنولوجيا والاقتصاد العالمي، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تبقى المنطقة مجرد ساحة مفتوحة للتوترات التي تستنزف شعوب الخليج واقتصاداته.

ولهذا يبدو أن المنطقة تدخل فعلًا مرحلة جديدة؛ مرحلة لا تبحث فيها السعودية عن فك التحالف مع أمريكا، بل عن إعادة صياغة العلاقة معها على أساس المصالح المتبادلة لا التبعية المطلقة. فالعالم يتغير بسرعة، والخليج يحاول أن يجد لنفسه مكانًا جديدًا فيه، لا كمنطقة تنتظر الحماية فقط، بل كقوة اقتصادية وسياسية تريد أن ترسم مستقبلها بنفسها.

المصادر والمراجع: معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري؛ الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟