من بنى دبي الحديثة الشيخ راشد والتجار والدور البريطاني
من بنى دبي الحديثة؟ الشيخ راشد والتجار والدور البريطاني
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – 11 سبتمبر 2026
عندما نتحدث عن تأسيس دبي، يجب أن نفرق بين تأسيسها التاريخي وبين بناء دبي الحديثة التي بدأت ملامحها الواضحة في خمسينيات وستينيات القرن العشرين.
فدبي لم تؤسَّس في الخمسينيات أو الستينيات، وإنما بدأت مرحلة سياسية جديدة فيها سنة 1833، عندما استقرت جماعة من آل بوفلاسة من قبيلة بني ياس بقيادة الشيخ مكتوم بن بطي آل مكتوم، ومنذ ذلك التاريخ تأسس حكم آل مكتوم في الإمارة.
لكن دبي التي نعرفها اليوم، باعتبارها مدينة للتجارة والموانئ والطيران والاستثمار، بدأت قواعدها الحقيقية في عهد الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم. ولهذا يصح وصف الشيخ مكتوم بن بطي بأنه مؤسس حكم دبي، بينما يُعد الشيخ راشد المؤسس الفعلي لدبي الاقتصادية والعمرانية الحديثة.
دبي قبل النفط
كان الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم حاكمًا لدبي حتى وفاته سنة 1958، لكن ابنه الشيخ راشد كان يؤدي دورًا متزايدًا في إدارة الإمارة قبل توليه الحكم رسميًا.
كانت دبي حينها بلدة صغيرة تعتمد على تجارة اللؤلؤ وصيد الأسماك والنقل البحري والتجارة مع الهند وإيران والعراق وشرق إفريقيا. وقد أصاب اقتصادها، مثل بقية إمارات الخليج، ضرر شديد بسبب انتشار اللؤلؤ الصناعي الياباني، ثم تراجع التجارة خلال الحرب العالمية الثانية.
ورغم الفقر وضعف الموارد، امتلكت دبي عنصرًا مهمًا لم يكن متوفرًا بالدرجة نفسها في بعض مدن المنطقة: مجتمعًا تجاريًا نشطًا وسياسة تقوم على استقبال التجار وتسهيل أعمالهم.
ومنذ بداية القرن العشرين، جذبت دبي تجارًا من مناطق مختلفة بسبب انخفاض الرسوم، ومرونة التعامل، ووجود خور طبيعي يسمح بدخول السفن الخشبية. ومع مرور الوقت أصبح التجار شركاء للحكم في بناء الاقتصاد، وليسوا مجرد دافعي ضرائب أو تابعين للإدارة.
الشيخ راشد وبداية المشروع الحديث
فهم الشيخ راشد مبكرًا أن دبي لا تمتلك أرضًا زراعية واسعة ولا موارد نفطية مؤكدة، وأن مستقبلها يجب أن يقوم على التجارة والخدمات والموقع الجغرافي.
وكانت فكرته الأساسية أن دبي إذا بنت الميناء والمطار والطرق والكهرباء والمياه، فإن التجار والشركات والسكان سيأتون إليها. أي إنه لم ينتظر زيادة السكان لكي يبني المشروعات، بل بنى المشروعات أولًا لكي يجذب السكان والتجارة ورؤوس الأموال.
وكان هذا التفكير شديد الجرأة؛ لأن دبي في ذلك الوقت لم تكن تملك الإيرادات التي تكفي لتنفيذ مشروعات كبيرة. ولذلك اعتمد الشيخ راشد على القروض، ومساهمة التجار، وتأسيس الشركات المحلية، وبيع الأراضي المستصلحة، والاستفادة من الخبرات الأجنبية.
الخور الذي أنقذ دبي
كان خور دبي قلب المدينة وميناءها الطبيعي، لكنه كان ضحلًا، وكانت الرمال المتراكمة تعرقل دخول السفن. ولو استمر الخور في التدهور، لانتقلت التجارة إلى موانئ أخرى، وربما فقدت دبي أهم مصدر لقوتها الاقتصادية.
اتخذ الشيخ راشد قرارًا بتعميق الخور وتوسيع ممراته، رغم أن تكلفة المشروع كانت مرتفعة مقارنة بإمكانات الإمارة. واستعان بشركة هالكرو البريطانية لإجراء الدراسات الهندسية، ثم بدأت عمليات التجريف والتطوير في أواخر الخمسينيات.
لم تمول بريطانيا المشروع كاملًا، بل اعتمدت دبي على القروض وإصدار سندات ساهم التجار في شرائها، كما بيعت بعض الأراضي التي ظهرت نتيجة الردم والاستصلاح. وهكذا أصبح المجتمع التجاري شريكًا مباشرًا في المشروع.
نجح تعميق الخور في السماح بدخول سفن أكبر، وزادت حركة الاستيراد وإعادة التصدير. وانتعشت تجارة الذهب والمنسوجات والمواد الغذائية والبضائع القادمة من الهند وأوروبا، وتحولت دبي تدريجيًا إلى سوق يخدم مناطق أوسع من عدد سكانها وحدودها.
المطار قبل اكتشاف النفط
في سنة 1959 أمر الشيخ راشد بإنشاء مطار دبي، وافتُتح سنة 1960 بمدرج من الرمل المضغوط، ثم جرى تطويره وإضافة مدرج أسفلتي في منتصف الستينيات.
وقد رأى بعض المسؤولين البريطانيين أن بناء مطار كبير لاستقبال الطائرات النفاثة قد يكون مكلفًا وأكثر من حاجة دبي في ذلك الوقت. لكن الشيخ راشد أصر على المشروع؛ لأنه لم يكن ينظر إلى عدد المسافرين في الحاضر، بل إلى مكانة دبي المستقبلية بين أوروبا وآسيا وإفريقيا.
شاركت شركات وخبرات بريطانية في تصميم المطار وبنائه وتجهيزه، لكن المبادرة والقرار والمخاطرة المالية كانت من حاكم دبي. وهذا مثال مهم يوضح الفرق بين من يملك الرؤية ومن يقدم الخبرة الفنية لتنفيذها.
كما استعان الشيخ راشد بالمهندس البريطاني جون هاريس، الذي وضع في سنة 1960 تقريبًا أول مخطط عمراني منظم لدبي. وحدد المخطط مسارات الطرق والمناطق السكنية والتجارية واتجاهات توسع المدينة، ثم تولت شركات هندسية تنفيذ أجزاء من هذه الخطط.
وفي سنة 1963 افتُتح جسر آل مكتوم، أول جسر يربط ديرة ببر دبي. وحصلت دبي على دعم مالي من حاكم قطر آنذاك الشيخ أحمد بن علي آل ثاني للمساهمة في إنشاء الجسر، ثم فُرض رسم على المركبات العابرة للمساعدة في سداد تكلفته.
وهذا يؤكد أن دبي لم تُبنَ بأموال النفط؛ فالخور والمطار والجسر والكهرباء والمياه والتخطيط العمراني بدأت قبل اكتشاف النفط سنة 1966، وقبل تصديره سنة 1969.
ما الدور الحقيقي للإنجليز؟
كانت دبي في ذلك الوقت واحدة من إمارات الساحل المتصالح المرتبطة ببريطانيا باتفاقيات سياسية. ولم تكن مستعمرة بريطانية تدار مباشرة كما كانت الهند، لكنها لم تكن مستقلة استقلالًا كاملًا في شؤونها الخارجية والدفاعية.
كانت بريطانيا تتولى الدفاع الخارجي، وتراقب العلاقات مع الدول الأخرى، وتدير جزءًا من شؤون الطيران والملاحة والحدود. وكان لها معتمدون ومستشارون سياسيون في المنطقة، كما أسهم ضباط بريطانيون في تنظيم قوات الأمن والشرطة.
كذلك أدت الشركات البريطانية دورًا بارزًا في المشروعات الهندسية. فقد شاركت هالكرو في دراسات الخور والموانئ والطرق، وأسهم جون هاريس في التخطيط العمراني، وعملت شركات بريطانية في إنشاء المطار وتجهيزه.
كما عمل البريطاني وليام «بيل» داف مستشارًا ماليًا للشيخ راشد ابتداءً من سنة 1960، وساعد في تنظيم الإيرادات والإنفاق والتفاوض مع البنوك والشركات الأجنبية.
لكن القول إن الإنجليز هم الذين صنعوا دبي أو أسسوها قول مبالغ فيه وغير دقيق. فقد قدموا الخبرة الهندسية والإدارية، وسهلوا الاتصال بالشركات والبنوك الدولية، لكنهم لم يقدموا لدبي خزينة مفتوحة، ولم يكونوا دائمًا متحمسين لمشروعات الشيخ راشد.
بل إن بعض المسؤولين البريطانيين كانوا يخشون توسع دبي في الاقتراض والإنفاق على مشروعات يرونها أكبر من حجم الإمارة. وكان الشيخ راشد في أحيان كثيرة أكثر جرأة منهم، لأنه رأى أن البنية الأساسية يجب أن تسبق النمو ولا تنتظره.
بريطانيا كانت تحمي مصالحها أيضًا
لم يكن الوجود البريطاني في الخليج عملًا خيريًا. فقد كانت بريطانيا تريد حماية طرقها البحرية والجوية، والمحافظة على نفوذها السياسي، وتأمين المصالح النفطية والتجارية، ومنع القوى المنافسة من التوسع في المنطقة.
كما استفادت الشركات والبنوك البريطانية من العقود والمشروعات والأسواق الخليجية. ولذلك يجب تقييم الدور البريطاني بصورة متوازنة: فقد وفر الأمن البحري النسبي والخبرة الفنية والإدارية، لكنه كان أيضًا جزءًا من نظام نفوذ يحمي المصالح البريطانية أولًا.
وعندما أعلنت بريطانيا سنة 1968 نيتها الانسحاب من شرق السويس، أصبحت إمارات الساحل أمام ضرورة بناء نظام سياسي وأمني جديد، وهو ما انتهى بقيام دولة الإمارات العربية المتحدة سنة 1971.
التجار شركاء في التأسيس
لا تكتمل قصة دبي من دون ذكر تجارها. فقد ساهموا بأموالهم وعلاقاتهم وخبراتهم في تمويل النشاط الاقتصادي، واشتروا سندات الخور، وأسّسوا الشركات، وجلبوا الوكالات التجارية، وربطوا دبي بالأسواق الإقليمية والعالمية.
وكانت سياسة الحكم تقوم على منح التجار حرية نسبية وتشجيع الأجانب على الإقامة والعمل. ولذلك جاءت إلى دبي عائلات تجارية عربية وإيرانية وهندية، وأسهمت في تحويلها إلى سوق متعددة الثقافات واللغات.
لقد قامت دبي الحديثة على عقد غير مكتوب: يوفر الحاكم الأمن والبنية الأساسية وحرية الحركة، ويوفر التجار رأس المال والخبرة والشبكات التجارية.
الخلاصة
لم يؤسس الإنجليز دبي، ولم يصنعها النفط وحده. لقد أسس آل مكتوم حكمها منذ القرن التاسع عشر، بينما قاد الشيخ راشد بن سعيد مشروع بناء دبي الحديثة في الخمسينيات والستينيات، بمشاركة التجار وأهل الإمارة ورؤوس الأموال والخبرات القادمة من الخارج.
أما البريطانيون، فكانوا قوة سياسية مسيطرة على الشؤون الخارجية والدفاعية، كما قدمت شركاتهم ومستشاروهم خبرة مهمة في التخطيط والهندسة والطيران والإدارة. لكن القرار والمبادرة والمخاطرة كانت محلية بقيادة الشيخ راشد.
لقد كانت العبقرية الحقيقية في أن دبي لم تنتظر النفط لكي تبدأ البناء. اقترضت وأنشأت الخور والمطار والجسر والطرق، ثم جعلت التجارة تمول التجارة، والميناء يجذب السفن، والمطار يجذب الشركات والمسافرين.
وهكذا لم تُبنَ دبي بقرار بريطاني، وإنما برؤية حاكم، وشجاعة تجار، وانفتاح مدينة، واستثمار ذكي للخبرات الأجنبية.
المصادر والمراجع: مكتبة قطر الرقمية، وثائق تاريخ الخليج؛ الموسوعة البريطانية، الأبحاث التاريخية.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment