الخليج بين وحدة المظهر وتباين الفكر
الخليج بين وحدة المظهر وتباين الفكر
تحليل سياسي واقتصادي – إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة – 29 مايو 2026
يجلس الخليج اليوم فوق إرث تاريخي طويل من التفاعلات والتحالفات والتنافسات واختلاف أنماط التفكير التي تشكلت عبر قرون متعاقبة. ورغم أن دول الخليج تبدو في ظاهرها متشابهة في اللغة واللباس والعادات الاجتماعية والدين والبيئة الجغرافية، فإن التعمق في تاريخ المنطقة يكشف وجود مدرستين فكريتين ساهمتا في تشكيل الخليج الحديث.
أرى أن الخليج يتجه تدريجيًا نحو تشكل مدرستين استراتيجيتين في التفكير أكثر من كونه يتجه نحو معسكرين سياسيين بالمعنى التقليدي. المدرسة الأولى تضم السعودية والكويت والبحرين وقطر، وهي امتداد للفكر القادم من عمق الجزيرة العربية وما يحمله من أولويات أمنية وبرية وقبلية تشكلت عبر تاريخ المنطقة الداخلي. أما المدرسة الثانية فتضم عمان والإمارات، وهي امتداد للإرث البحري الذي تشكل عبر الدولة العمانية التاريخية والإمبراطورية العمانية التي بسطت نفوذها على مساحات واسعة من سواحل الخليج والمحيط الهندي و شرق افريقيا، وكانت الإمارات الحالية جزءًا من ذلك الفضاء البحري والتجاري والحضاري لقرون طويلة قبل ظهور الدول الحديثة بصورتها الحالية.
ومن هنا نشأت رؤيتان مختلفتان للعالم. فبينما تنظر مدرسة الجزيرة العربية إلى الأمن والعمق البري والاستقرار الداخلي باعتبارها أساس القوة، تنظر المدرسة البحرية إلى الموانئ والتجارة والملاحة والانفتاح على الأسواق العالمية باعتبارها مصدر النفوذ والازدهار. وهذه الفوارق ليست خلافًا سياسيًا بقدر ما هي نتاج تراكمات تاريخية صنعت نمطين مختلفين من التفكير داخل البيت الخليجي الواحد.
وعندما يزور أي شخص عواصم الخليج للمرة الأولى، يخرج بانطباع أن المنطقة تشكل كتلة واحدة متجانسة. فاللباس متشابه، واللهجات متقاربة، والهوية الخليجية حاضرة بقوة في المشهد العام. لكن كلما تعمق المراقب في فهم المنطقة، اكتشف أن ما يجمعها اجتماعيًا أكبر مما يجمعها استراتيجيًا.
فمجلس التعاون الخليجي، رغم مرور أكثر من أربعة عقود على تأسيسه، لم ينجح في إنتاج نموذج خليجي موحد في التعليم أو الاقتصاد أو الاستثمار أو التصنيع أو حتى في بناء عقيدة دفاعية مشتركة. وما زالت كل دولة تتحرك وفق رؤيتها الخاصة وأولوياتها الوطنية ومصالحها الاستراتيجية.
فلا توجد مناهج تعليمية خليجية موحدة، ولا سياسة صناعية مشتركة، ولا رؤية استثمارية متكاملة، ولا منظومة دفاعية قادرة على تحويل دول المجلس إلى قوة إقليمية واحدة. وحتى المشاريع المشتركة الكبرى ما زالت تُدار غالبًا من منظور المصالح الوطنية لكل دولة أكثر من إدارتها من منظور المصلحة الخليجية الجماعية.
ولهذا نرى تباينًا واضحًا في نماذج التنمية الاقتصادية، وفي إدارة الموانئ والممرات التجارية، وفي العلاقات الخارجية، وفي تصورات المستقبل. فلكل دولة رؤيتها الخاصة، ولكل مجموعة من الدول أولوياتها المختلفة، رغم وحدة الجغرافيا وتشابه المجتمعات.
ومع اقتراب المنطقة من مرحلة جديدة قد تعيد رسم توازنات الخليج لعقود قادمة، يصبح السؤال أكثر أهمية من أي وقت مضى: هل تستطيع دول الخليج إنتاج فكر خليجي موحد يجمع إرث الصحراء وإرث البحر في مشروع واحد؟ أم أن المنطقة ستتجه نحو مزيد من التباعد بين المدرستين مع تزايد المنافسة الاقتصادية واللوجستية وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة؟
إن معضلة رجل الصحراء حين يستهين برجال البحر، ومعضلة رجال البحر حين يتجاهلون عمق الصحراء، تقودان إلى النتيجة نفسها. فالخليج لا يستطيع الاستغناء عن أي من المدرستين. فالصحراء وفرت العمق والاستقرار والامتداد الجغرافي، بينما وفرت البحار التجارة والانفتاح والاتصال بالعالم وصناعة الثروة عبر الموانئ والممرات البحرية.
وربما يكون التحدي الحقيقي للجيل الخليجي القادم هو الجلوس على طاولة واحدة لصياغة فكر خليجي جديد، لا يغلب البحر على الصحراء ولا الصحراء على البحر، بل يستفيد من عناصر القوة في كليهما لصناعة مستقبل خليجي أكثر تماسكًا وقدرة على مواجهة التحولات الكبرى التي تنتظر المنطقة.
فالخليج في نهاية المطاف ليس خليج الصحراء وحدها، ولا خليج البحر وحده، بل هو نتاج التقاء الاثنين معًا. وإذا نجحت المنطقة في تحويل هذا التنوع إلى مصدر قوة، فقد تدخل مرحلة جديدة من التكامل والازدهار. أما إذا تحول الاختلاف في الرؤى إلى تنافس على قيادة شكل الخليج القادم، فإن المنطقة قد تجد نفسها أمام انقسام فكري واستراتيجي يتسع تدريجيًا مع مرور الوقت.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام صناع القرار والنخب الفكرية الخليجية: هل آن الأوان لصناعة "الفكر الخليجي" الذي طال انتظاره، أم أن الخليج سيبقى مجموعة دول متجاورة يجمعها التاريخ والجغرافيا وتفرقها الرؤى والأولويات؟
المصادر والمراجع: الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment