العلاقات الإماراتية الإسرائيلية وضعف الردع الخليجي
تطور العلاقات الإماراتية الإسرائيلية مسؤولية دول الخليج لا الإمارات وحدها: ضعف الردع الجماعي ترك الباب مفتوحًا
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – 20 أكتوبر 2026
يقول المثل الشعبي «اضرب الفلتان يخاف المربوط»، وهو مثل يعبر عن تأثير الردع في ضبط السلوك ومنع تجاوز الحدود المتفق عليها. وإذا طبقنا هذا المفهوم على العلاقات الخليجية، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس لماذا توسعت الإمارات في علاقاتها مع إسرائيل، وإنما لماذا تركت دول الخليج هذا التوسع يحدث دون أن تؤسس موقفًا جماعيًا واضحًا يحمي مصالحها الأمنية والاستراتيجية؟
فالإمارات دولة ذات سيادة، تبحث عن مصالحها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وتوقع الاتفاقيات مع من ترى أنه يخدم هذه المصالح. وليس من المنطقي تحميلها وحدها مسؤولية نتائج سياسة لم تتفق الدول الخليجية مسبقًا على حدودها، ولم تضع بشأنها قواعد جماعية واضحة.
إن المسؤولية السياسية هنا تقع أيضًا على منظومة مجلس التعاون، التي تمتلك من القوة الاقتصادية والاتفاقيات والمؤسسات ما يسمح لها بالتأثير في القرارات الإقليمية، لكنها لم تحول هذه الإمكانات إلى سياسة أمنية خارجية موحدة.
منذ توقيع اتفاقيات إبراهيم في سبتمبر 2020، لم تتوقف العلاقات الإماراتية الإسرائيلية عند تبادل السفارات والرحلات الجوية، وإنما امتدت إلى التجارة الحرة والاستثمارات والطاقة والموانئ والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والصناعات العسكرية.
وفي مارس 2021، وقعت مجموعة EDGE الإماراتية مذكرة تعاون مع الصناعات الجوية الإسرائيلية لتطوير منظومات مضادة للطائرات المسيّرة. وتبع ذلك تعاون في الأنظمة البحرية غير المأهولة والدفاع الجوي والتكنولوجيا العسكرية.
وفي دراسة نشرها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في أكتوبر 2026، أشار الباحث ألبرت فيدال ريبي إلى أن التعاون الدفاعي الإماراتي الإسرائيلي تطور من شراء المعدات إلى علاقات صناعية وأمنية أوسع، وأن المواجهات الإقليمية خلال عام 2026 عززت هذا الاتجاه.
بل تناولت الدراسة تقارير عن نشر معدات دفاع جوي إسرائيلية في الإمارات وتبادل معلومات عن الهجمات الصاروخية الإيرانية، مع بقاء بعض التفاصيل غير مؤكدة رسميًا.
وهنا تظهر مشكلة غياب التنسيق الخليجي الجماعي. فالتعاون العسكري مع دولة خارج مجلس التعاون لا يقتصر أثره بالضرورة على الدولة المستوردة للسلاح، خصوصًا عندما يتعلق بأنظمة المراقبة والدفاع الجوي والمعلومات الاستخباراتية في منطقة تتداخل فيها الحدود والممرات الجوية والبحرية.
ولا يوجد دليل منشور يثبت أن التعاون الإماراتي الإسرائيلي استُخدم للإضرار بدولة خليجية أخرى. لكن غياب الدليل على وقوع الضرر لا يلغي أهمية وضع ضمانات مؤسسية تمنع تضارب المصالح مستقبلًا.
والغريب أن دول الخليج تمتلك أصلًا منظومة اقتصادية وأمنية أكبر بكثير من العلاقات التي تربط الإمارات بإسرائيل.
فبحسب وزارة المالية الإماراتية، بلغت تجارة الإمارات مع الدول الخليجية الخمس نحو 333 مليار درهم خلال عام 2024، مقابل نحو 12 مليار درهم مع إسرائيل خلال السنة نفسها.
أي أن تجارة الإمارات مع الخليج تعادل نحو 28 ضعف تجارتها مع إسرائيل.
والأرقام لا تتوقف عند حجم التجارة. فقد بلغت إعادة الصادرات الإماراتية إلى دول الخليج نحو 162.8 مليار درهم عام 2024، وهي تجارة تعتمد عليها قطاعات الموانئ والنقل والتخزين والتوزيع والخدمات المالية.
أما في الطاقة، فيكفي أن مشروع دولفين ينقل الغاز القطري إلى الإمارات وسلطنة عمان منذ عام 2007، ويوفر نحو 30% من احتياجات الإمارات من الغاز، وفق الشركة المشغلة.
وهذا الغاز يدخل في توليد الكهرباء وتحلية المياه والصناعة، أي في صميم الاقتصاد والحياة اليومية.
فإذا كانت المصالح الخليجية بهذه الضخامة، فلماذا لا تتحول إلى نفوذ سياسي جماعي يضمن مراعاة المصالح الأمنية المشتركة؟
الإجابة في تقديري أن دول المجلس لم تنجح في تحويل وزنها الاقتصادي إلى سياسة ردع جماعي واضحة، ولم تتفق على الحدود التي ينبغي أن تحكم العلاقات العسكرية والأمنية مع الدول الخارجية.
وقد كان من الممكن، منذ بداية التطبيع، إنشاء إطار خليجي لمراجعة الآثار الأمنية للاتفاقيات الخارجية، وتحديد قواعد لتبادل المعلومات العسكرية، وضمان عدم تعارض المشروعات الدفاعية الأجنبية مع المصالح الخليجية.
وليس المقصود منح أي دولة حق السيطرة على السياسة الخارجية لجارتها، وإنما وضع التزامات متبادلة تحمي الأمن المشترك الذي وقعت الدول الست أصلًا اتفاقيات للدفاع عنه.
فالمادة الثانية عشرة من اتفاقية الدفاع المشترك الخليجية لعام 2000 تقر حق كل دولة في إبرام اتفاقيات مع الدول الأخرى، لكنها تلزم الدول الأعضاء بألا تتعارض تلك الاتفاقيات مع أحكام الدفاع المشترك وأهدافه.
وهذا النص كان يمكن أن يكون أساسًا لحوار خليجي أكثر وضوحًا بشأن التعاون الأمني مع إسرائيل وغيرها من القوى الخارجية، دون الادعاء بأن التطبيع في حد ذاته يشكل مخالفة قانونية للاتفاقية.
ومن المهم الاعتراف بأن الموقف الخليجي لم يكن موحدًا منذ البداية؛ فالبحرين وقعت هي الأخرى اتفاقيات إبراهيم، بينما اتخذت بقية الدول مواقف مختلفة. كما أن القرارات الموضوعية في مجلس التعاون تتطلب الإجماع، وهو ما جعل بناء سياسة مشتركة أكثر تعقيدًا.
لكن هذه الصعوبة لا تعفي القيادات الخليجية من مسؤولية البحث عن تفاهمات أمنية تحافظ على مصالح الدول الأعضاء.
لقد أثبتت تجربة المقاطعة الخليجية عام 2017 أن الخلافات بين الأشقاء يمكن أن تلحق أضرارًا اقتصادية كبيرة بالمنطقة، وأن الدول المستهدفة قد تطور بدائل جديدة بدل تغيير سياساتها.
ولهذا فإن استخدام التجارة والطاقة سلاحًا للعقاب دون حساب العواقب قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، ويضعف الثقة في المشروعات المشتركة.
أما الردع الاقتصادي والسياسي المنظم، فيختلف عن المقاطعة العشوائية. فهو يقوم على وضوح المصالح المشتركة، والتشاور المسبق، ووجود آليات قانونية لتسوية الخلافات، وربط التعاون المستقبلي بضمانات أمنية متبادلة.
ولو امتلك مجلس التعاون منظومة دفاعية أكثر تكاملًا، وصناعة عسكرية خليجية مشتركة، وقدرات جماعية لمواجهة الطائرات المسيّرة والصواريخ، لكانت حاجة الدول الأعضاء إلى البحث عن ترتيبات أمنية منفردة مع الخارج مختلفة.
وهذا هو الجانب الذي ينبغي التركيز عليه بدل اختزال القضية في لوم الإمارات.
فالإمارات لم تمنع دول الخليج من بناء صناعة عسكرية مشتركة، ولم تمنعها من تطوير منظومة دفاع جوي متكاملة، أو من إنشاء آلية موحدة لمراجعة الاتفاقيات الأمنية الأجنبية.
كما أن وجود تعاون إماراتي إسرائيلي لا يثبت وحده أن أبوظبي تخلت عن التزاماتها الخليجية.
لكن استمرار توسع العلاقات الدفاعية مع إسرائيل يطرح سؤالًا جادًا عن مدى قدرة المؤسسات الخليجية على مواكبة التحولات الأمنية التي تحدث داخل المنطقة.
والأهم أن إسرائيل تستفيد سياسيًا واقتصاديًا من توسيع علاقاتها العربية. وقد أقر معهد الأمن القومي الإسرائيلي بأن اتفاقيات إبراهيم ساعدت إسرائيل على الاندماج الإقليمي، وأن التعاون الأمني والاقتصادي استمر رغم الحرب على غزة وما أحدثته من اعتراضات شعبية وسياسية واسعة.
وهذا يوضح أن إسرائيل تنظر إلى تلك العلاقات باعتبارها جزءًا من مصالحها الاستراتيجية، وليس مجرد تجارة عابرة.
ومن هنا تأتي أهمية إعادة النظر في مفهوم الأمن الخليجي. فكلما غابت القواعد الجماعية، اتجهت الدول إلى ترتيب أمنها منفردة، وقد يؤدي تراكم تلك الترتيبات إلى ظهور مصالح متباينة داخل المجلس نفسه.
إن المثل «اضرب الفلتان يخاف المربوط» لا ينبغي أن يتحول إلى دعوة لمعاقبة الإمارات، بل إلى تذكير بأن الردع الحقيقي يبدأ بوضوح القواعد قبل وقوع الخلافات، وبوجود موقف جماعي يحترمه الجميع.
فالدرس ليس أن على دول الخليج تهديد الإمارات بعزلها اقتصاديًا، وإنما أن عليها امتلاك القدرة المؤسسية والسياسية التي تجعل مصالحها المشتركة حاضرة في حسابات كل دولة عضو قبل اتخاذ القرارات الاستراتيجية.
وفي النهاية، فإن تحميل الإمارات وحدها مسؤولية توسع علاقاتها مع إسرائيل يتجاهل مسؤولية مجلس التعاون في تطوير منظومة الأمن الجماعي.
لقد امتلكت دول الخليج الأسواق ورؤوس الأموال وشبكات الطاقة والمعاهدات والمؤسسات، لكنها لم تستثمر هذه العناصر بالقدر الكافي لبناء سياسة أمنية خارجية متماسكة.
والنتيجة أن العلاقات الثنائية مع القوى الخارجية أصبحت تتطور أحيانًا بوتيرة أسرع من التعاون الدفاعي الخليجي نفسه.
وهنا تكمن القضية الحقيقية: ليست المشكلة في أن الإمارات استطاعت تطوير علاقاتها مع إسرائيل، بل في أن دول الخليج لم تتفق حتى الآن على منظومة مشتركة تستطيع استيعاب هذه العلاقات وتحديد آثارها على أمنها الجماعي.
فالدول التي لا تبني قواعد واضحة لحماية مصالحها المشتركة لا تستطيع أن تحمل جيرانها وحدهم مسؤولية الفراغ الذي تتركه.
وهكذا فإن ضعف الردع الجماعي، وليس القرار الإماراتي وحده، هو القضية التي تستحق المراجعة الخليجية الجادة.
المصادر الرئيسية:
وزارة المالية الإماراتية، بيانات التجارة الخليجية لعام 2024.
وزارة الخارجية الإماراتية، بيانات التجارة مع إسرائيل والاتفاقيات الاقتصادية.
المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS، دراسة «العائد الدفاعي لاتفاقيات إبراهيم»، 1 أكتوبر 2026.
مجموعة EDGE، اتفاقية تطوير الأنظمة المضادة للطائرات المسيّرة مع الصناعات الجوية الإسرائيلية.
اتفاقية الدفاع المشترك الخليجية، النص الرسمي المنشور في البوابة القانونية القطرية، والنظام الأساسي لمجلس التعاون.
معهد الأمن القومي الإسرائيلي INSS، دراسة خمس سنوات على اتفاقيات إبراهيم، سبتمبر 2025.
صندوق النقد الدولي، تقييم آثار المقاطعة الخليجية عام 2017.
المصادر والمراجع: معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري؛ الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment