الخليجيون من أصول فارسية- حضور تاريخي مغفَل
الخليجيون من أصول فارسية... الشريك الذي لم يأخذ حقه من السرد التاريخي
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – 30 مايو 2026
عندما يُكتب تاريخ الخليج الحديث، غالبًا ما يُسلط الضوء على دور القبائل العربية، ودور البحر والتجارة واللؤلؤ، ثم تأتي مرحلة النفط وما تبعها من نهضة اقتصادية كبرى. لكن هناك مكوّنًا اجتماعيًا ظل حاضرًا في مسيرة الخليج لعقود طويلة دون أن ينال نصيبه الكافي من التقدير، وهو المكوّن الخليجي من أصول فارسية.
فالخليج قبل النفط لم يكن الخليج الذي نعرفه اليوم. كانت مدنه صغيرة، وموارده محدودة، والتعليم فيه في بداياته، بينما كانت الضفة المقابلة من الخليج تضم مدنًا أكبر حجمًا وأكثر اتصالًا بالحياة الفكرية والسياسية التي شهدتها المنطقة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
ومن خلال حركة التجارة والتنقل والاستقرار المتبادل بين ضفتي الخليج، انتقلت إلى مدن الخليج خبرات إدارية وتجارية وحرفية وثقافية متعددة. وكان أبناء الأسر الخليجية ذات الأصول الفارسية جزءًا من هذا الحراك، يشاركون في الأسواق والموانئ والتجارة والتعليم والإدارة المحلية.
ولم يكن تأثيرهم محصورًا في الاقتصاد فقط، بل ساهموا في ترسيخ قيم العمل المدني والانفتاح على التعليم والاهتمام بالمعرفة والتجارة المنظمة، وهي عناصر أصبحت لاحقًا جزءًا من الشخصية الحضرية في كثير من مدن الخليج.
وعندما بدأت مرحلة النفط وتأسيس الدول الحديثة، لم يقف هذا المكوّن على هامش النهضة، بل شارك فيها جنبًا إلى جنب مع إخوانه من العرب. فدخلوا مجالات التجارة والبنوك والتعليم والإدارة والخدمات، وساهموا في بناء المؤسسات التي قامت عليها الدولة الخليجية الحديثة.
وربما كان أكثر ما يميز هذا المكوّن هو قوة انتمائه الوطني. فبعد أجيال طويلة من الاستقرار في الخليج، أصبح الوطن الخليجي هو الهوية الجامعة والمصير المشترك. ولذلك برز كثير من أبناء هذه الأسر في الدفاع عن أوطانهم وخدمة مجتمعاتهم والمشاركة في نهضتها الاقتصادية والاجتماعية.
إن قراءة تاريخ الخليج بعين منصفة تقتضي الاعتراف بأن بناء الخليج الحديث لم يكن ثمرة جهد فئة واحدة أو رواية واحدة. لقد كان مشروعًا جماعيًا شاركت فيه مكونات متعددة، وكان الخليجيون من أصول فارسية أحد هذه المكونات التي أسهمت في صياغة ملامح الخليج الحضري والتجاري الحديث.
واليوم، وبعد عقود من قيام الدولة الحديثة، لم يعد السؤال من أين جاءت الأصول، بل ماذا قدم الجميع لهذا الوطن. وفي هذا الميزان، فإن أبناء الخليج من أصول فارسية كانوا وما زالوا شركاء في البناء والتنمية والاستقرار، وجزءًا أصيلًا من قصة النجاح الخليجية التي نراها أمامنا اليوم.
والتاريخ العادل لا يكتب فقط من حكم، بل يكتب أيضًا بمن بنى، ومن علّم، ومن تاجر، ومن ساهم في صناعة المجتمع. وفي هذا الجانب، يستحق الخليجيون من أصول فارسية أن يُذكروا باعتبارهم أحد الروافد التي شاركت في بناء الخليج الحديث، وأن ينالوا ما يستحقونه من التقدير في السرد التاريخي الخليجي.
المصادر والمراجع: مكتبة قطر الرقمية، وثائق تاريخ الخليج؛ الموسوعة البريطانية، الأبحاث التاريخية.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment