القدس وهرمز حين تتحول الجغرافيا إلى قضية عقائدية طويلة

القدس وهرمز… حين تتحول الجغرافيا إلى قضية عقائدية طويلة

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – محلل اقتصاد وتسويق – الدوحة – 8 مايو 2026

في البداية ظن العرب أن القضية الفلسطينية مجرد نزاع حدودي على أرض. ثم اكتشفوا مع الزمن أن المسألة أعمق من ذلك بكثير، وأن الجغرافيا حين تمتزج بالعقيدة والسيطرة والنفوذ تتحول إلى قضية تمتد لعشرات السنين وتُفرض كأمر واقع جيلًا بعد جيل.

واليوم يبدو أن الخليج بدأ ينظر إلى مضيق هرمز بعين مختلفة. فالقضية لم تعد فقط ناقلات نفط تمر أو تتأخر، بل تحولت تدريجيًا إلى سؤال وجودي: من يملك التحكم في شريان الخليج الاقتصادي؟ ومن يستطيع استخدام الجغرافيا لفرض نفوذه السياسي والعقائدي على المنطقة؟

كما تحولت القدس عند الحركة الصهيونية إلى رمز ديني وسياسي ومشروع تمدد على الأرض العربية، يرى كثير من الخليجيين أن إيران تحاول تحويل هرمز إلى ورقة نفوذ دائمة عبر مزج الجغرافيا بالمذهب والسياسة والأذرع الإقليمية، بحيث يصبح الخليج كله يعيش تحت ضغط دائم مرتبط بالمضيق وحركة الملاحة والطاقة.

ولهذا لم تعد قضية هرمز في العقل الخليجي مجرد قضية بحرية، بل بدأت تأخذ شكل “القضية الجغرافية المصيرية”، تمامًا كما تحولت فلسطين والقدس إلى قضية تتجاوز حدود الأرض نفسها.

ومن هنا يعيد الخليجيون قراءة ملفات قديمة ظلت لسنوات تبدو متفرقة: الجزر الإماراتية الثلاث، والاقتراب من الحقول المشتركة، والتوسع البحري قرب الممرات الحساسة، والتلويح المستمر بإغلاق المضيق. كلها اليوم تُقرأ كأنها حلقات مترابطة ضمن مشروع نفوذ طويل بدأ منذ عهد شاه إيران محمد رضا بهلوي، ثم تعزز بعد الثورة الإيرانية بقيادة الخميني.

فالسيطرة على أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى لم تعد تُفهم فقط كخلاف حدودي، بل كتمركز دائم قرب أخطر شريان اقتصادي في الخليج. وكما يتحدث العرب عن التمدد الصهيوني التدريجي في الأرض العربية وصناعة “الأمر الواقع”، بدأ يظهر في الخليج من يرى أن إيران تحاول هي الأخرى فرض أمر واقع جغرافي وسياسي طويل الأمد حول هرمز.

ولهذا أصبح واضحًا لماذا بدأت دول الخليج تتجه بقوة نحو الأنابيب البرية والموانئ البديلة وربط البحار ببعضها البعض. فالأنابيب هنا ليست مجرد مشاريع نفطية، بل محاولة لكسر الجغرافيا السياسية قبل أن تتحول إلى قيد دائم على الخليج.

فالسعودية توسع خطوطها نحو البحر الأحمر، والإمارات تدفع نحو بحر العرب، وهناك تفكير خليجي أوسع بربط الموانئ والأنابيب والمخازن خارج هرمز بالكامل، لأن الرسالة أصبحت واضحة: إذا كانت الجغرافيا قد تُستخدم يومًا للضغط والابتزاز، فإن إعادة رسم خرائط الطاقة أصبحت ضرورة وجودية وليست رفاهية اقتصادية.

وكما أدرك العرب متأخرين أن التمدد الصهيوني على الأرض خلق مع الزمن واقعًا معقدًا يصعب تغييره، تخشى دول الخليج أن يؤدي أي نفوذ طويل حول هرمز إلى خلق واقع مشابه، لكن هذه المرة في قلب شريان الطاقة العالمي.

ولهذا قد لا تتردد دول الخليج مستقبلًا في إنفاق مئات المليارات على الأنابيب الصحراوية والموانئ البديلة والتخزين الخارجي، لأن تكلفة إعادة رسم طرق الطاقة اليوم قد تكون أقل بكثير من تكلفة ترك الخليج تحت ضغط جغرافي دائم لعقود قادمة.

المصادر والمراجع: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ الأمم المتحدة، اتفاقية قانون البحار (الأحكام المتعلقة بالمضائق)؛ الأونكتاد، مراجعة النقل البحري 2025.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟