هل يتجه الاتفاق الأمريكي–الإيراني ليصبح من أسوأ اتفاقات الهدنة في التاريخ
هل يتجه الاتفاق الأمريكي–الإيراني ليصبح من أسوأ اتفاقات الهدنة في التاريخ؟
تحليل سياسي واستراتيجي
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – قطر
9 يوليو 2026
بعد كل حرب كبيرة، يتطلع العالم إلى اتفاق يضع حدًا للقتال ويعيد الاستقرار. لكن التاريخ يعلمنا أن ليس كل اتفاق هدنة أو سلام يحقق هذا الهدف؛ فبعض الاتفاقيات لم تكن سوى استراحة قصيرة أعادت خلالها الأطراف ترتيب صفوفها قبل اندلاع جولات جديدة من الصراع. ولهذا يثار اليوم سؤال مشروع: هل يسير الاتفاق الأمريكي–الإيراني الأخير في هذا الاتجاه؟
التاريخ يقدم أمثلة عديدة على اتفاقيات فشلت في تحقيق سلام دائم. فقد أصبحت اتفاقية ميونيخ عام 1938 رمزًا لفشل سياسة التهدئة، إذ لم تمنع اندلاع الحرب العالمية الثانية بعد أقل من عام. أما هدنة كوريا عام 1953 فأوقفت إطلاق النار، لكنها لم تُنهِ الحرب رسميًا، ولا تزال شبه الجزيرة الكورية تعيش توترًا مستمرًا منذ أكثر من سبعين عامًا. كذلك فإن اتفاقات مينسك الخاصة بأوكرانيا لم تمنع اندلاع الحرب الواسعة عام 2022، بل يرى كثير من الباحثين أنها أخرت المواجهة دون أن تعالج أسبابها.
في ضوء هذه التجارب، يلفت الاتفاق الأمريكي–الإيراني الأخير الأنظار، لأنه جاء بعد مواجهة عسكرية خطيرة، بينما بقيت ملفات أساسية دون حل نهائي، مثل البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية، والدور الإقليمي لإيران، ومستقبل الجماعات المسلحة المرتبطة بها، وأمن الخليج، وحرية الملاحة في مضيق هرمز. ولذلك يرى عدد من المحللين أن الاتفاق خفف حدة الأزمة مؤقتًا، لكنه لم يحسم جذورها.
ولم يمض وقت طويل حتى بدأت مؤشرات الهشاشة تظهر من جديد، مع تبادل الاتهامات بين الطرفين بشأن الالتزام ببنود التهدئة، وتجدد التوترات العسكرية والسياسية. وهذا يعزز الانطباع بأن الاتفاق قد يكون أقرب إلى إدارة للصراع منه إلى إنهائه.
إن أخطر ما في مثل هذه الاتفاقيات هو أنها قد تخلق حالة من "اللاحرب واللاسلم". فلا حرب شاملة تنتهي، ولا سلام مستقر يبدأ. وتبقى المنطقة تعيش تحت ضغط دائم، تتأثر فيه الاستثمارات، وتتقلب أسواق الطاقة، ويستمر سباق التسلح، وتتوسع الحروب غير المباشرة والهجمات السيبرانية والطائرات المسيّرة.
ومن ناحية أخرى، قد تدفع هذه المرحلة دول الخليج إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الأمنية والاقتصادية، وتسريع بناء قدراتها الذاتية، وتنويع شراكاتها، وتعزيز منظوماتها الدفاعية والتقنية، حتى لا يبقى أمنها مرتبطًا بتفاهمات مؤقتة بين القوى الكبرى.
والدرس الذي يقدمه التاريخ واضح؛ فالاتفاقيات التي لا تعالج جذور الصراع غالبًا ما تؤجل المواجهة ولا تمنعها. أما السلام الحقيقي فلا يتحقق بمجرد وقف إطلاق النار، بل ببناء ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية قادرة على الصمود أمام الأزمات المقبلة.
ورغم ذلك، فإن الحكم النهائي على الاتفاق الأمريكي–الإيراني لا يزال سابقًا لأوانه. فقد يتحول مع مرور الوقت إلى إطار أكثر استقرارًا إذا تبعته تفاهمات أوسع، وقد يفشل إذا استمرت أسباب التوتر دون معالجة. لذلك فإن وصفه بأنه من "أسوأ اتفاقيات الهدنة في التاريخ" يبقى احتمالًا وتحليلًا سياسيًا، وليس حقيقة تاريخية محسومة.
يبقى السؤال مفتوحًا: هل كان هذا الاتفاق بداية سلام طويل، أم مجرد هدنة مؤقتة تسبق مرحلة جديدة من إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط؟ وحدها السنوات القادمة ستقدم الإجابة.
المصادر والمراجع: الأمم المتحدة، ميثاق الأمم المتحدة؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment