لا تتبع المقفّي يتعبك

العنوان: لا تتبع المقفّي يتعبك

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة – 2 يونيو 2026

في الموروث النجدي يقال: "لا تتبع المقفّي يتعبك". وهي حكمة لم تولد من فراغ، بل من تجربة طويلة مع الحياة والناس والسياسة. فحين يختار أحدهم طريقًا مختلفًا، فإن ملاحقته سنوات طويلة قد تستنزف الجهد دون نتيجة، بينما يكون الطريق الصحيح أحيانًا هو مواصلة المسير وبناء الواقع الجديد على الأرض.

ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى مستقبل الخليج خلال العقود القادمة. فبعد أكثر من أربعين عامًا من العمل الخليجي المشترك، لم يعد السؤال: كيف نحافظ على ما تحقق؟ بل كيف ننتقل إلى المرحلة التالية من التكامل الحقيقي؟

لقد نجح الخليج في بناء قدر معتبر من التنسيق السياسي والأمني، لكنه لم يصل بعد إلى مستوى التكامل الذي وصلت إليه التكتلات الكبرى في العالم. وخلال العقود الماضية ظهرت تباينات في الرؤى بين بعض الدول الأعضاء حول سرعة ونطاق الاندماج الخليجي. ويرى أنصار تسريع التكامل أن التحفظات المتكررة التي أبدتها سلطنة عمان تجاه عدد من المبادرات الخليجية المشتركة أسهمت في إبطاء بعض المشاريع الوحدوية، وجعلت كثيرًا من الخطوات الاستراتيجية رهينة البحث المستمر عن إجماع كامل قد لا يتحقق أصلًا.

ومن وجهة نظر هؤلاء، فإن التجارب الدولية الناجحة تثبت أن التكتلات الكبرى لا تتوقف عند الطرف الأكثر تحفظًا، بل تتقدم بالدول المستعدة للمضي في المشروع، ثم تترك الباب مفتوحًا أمام الآخرين للحاق بها عندما تتضح النتائج. ولذلك فإن المرحلة المقبلة، في نظرهم، تستدعي الانتقال من منطق انتظار الجميع إلى منطق التقدم بمن يرغب، حتى لا تتحول تحفظات طرف واحد إلى قيد على مستقبل المنظومة بأكملها.

فالمرحلة القادمة ليست اقتصادية فقط، بل مرحلة إعادة بناء المنظومة الخليجية بأكملها.

في الأمن والدفاع، أصبحت التهديدات الحديثة عابرة للحدود. أمن الطاقة، وأمن الممرات البحرية، والأمن السيبراني، والطائرات المسيرة، وحماية البنية التحتية الاستراتيجية، كلها ملفات تتطلب مستوى أعلى من التكامل والتنسيق والعمل المشترك.

وفي السياسة الخارجية، يواجه الخليج بيئة إقليمية معقدة تتطلب قدراً أكبر من توحيد المواقف والرؤى. فالعالم يتعامل مع الكتل الكبيرة أكثر مما يتعامل مع الدول الصغيرة المنفردة، وكلما ازداد التنسيق السياسي الخليجي ارتفع الوزن الاستراتيجي للمنطقة على الساحة الدولية.

وفي التعليم، لا يزال الخليج يمتلك فرصة تاريخية لبناء فضاء أكاديمي موحد يربط الجامعات ومراكز الأبحاث وبرامج الابتكار، ويؤسس لجيل خليجي قادر على المنافسة في الاقتصاد العالمي الجديد.

وفي التقنية والذكاء الاصطناعي، تتشكل ثروة القرن الحادي والعشرين. والدول التي تنجح في بناء سوق موحدة للمعرفة والبيانات والتقنية ستكون أكثر قدرة على حماية مصالحها وتحقيق التنمية المستدامة.

أما في الثقافة والهوية، فإن الخليج يمتلك من المشتركات الاجتماعية والتاريخية واللغوية ما يفوق بكثير ما تمتلكه تكتلات دولية نجحت في تحقيق مستويات متقدمة من الوحدة والتكامل. وهذا الرصيد الحضاري يمكن أن يتحول إلى قوة استراتيجية إذا جرى استثماره ضمن مشروع خليجي جامع.

وفي البنية القانونية والتنظيمية، لا يزال الطريق مفتوحًا أمام توحيد كثير من الأنظمة التجارية والاستثمارية والمهنية بما يسهل حركة المواطنين ورؤوس الأموال والشركات والخبرات بين دول الخليج.

أما في قطاع النقل والطاقة واللوجستيات، فإن الربط بين الموانئ والسكك الحديدية وشبكات الكهرباء والغاز والمناطق الصناعية سوف يصنع واقعًا جديدًا يجعل الخليج أكثر قدرة على المنافسة وأكثر استقلالاً في قراراته الاقتصادية والاستراتيجية.

ويرى أصحاب هذا التوجه أن المرحلة المقبلة تفرض على دول الخليج البحث عن بدائل استراتيجية للمشاريع والمواقع التي ظلت محل تردد أو تحفظ سياسي خلال العقود الماضية. وفي هذا السياق يطرح بعضهم إمارة رأس الخيمة كأحد المواقع القادرة على لعب دور أكبر في المنظومة الخليجية المستقبلية، مستفيدة من موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية واتصالها المباشر بشبكات النقل والموانئ الإماراتية.

ومن وجهة نظر هؤلاء، فإن تطوير رأس الخيمة لتكون مركزًا لوجستيًا وصناعيًا واستثماريًا متقدمًا قد يشكل بديلًا لبعض الأدوار التي كان يُنظر سابقًا إلى أن سلطنة عمان مرشحة للقيام بها ضمن مشاريع التكامل الخليجي. ويعتقدون أن منطق البدائل الاستراتيجية أصبح ضرورة في عالم لا تتوقف فيه المشاريع الكبرى عند تحفظ أي طرف أو اختلافه مع بقية الشركاء.

لقد أثبتت أوروبا وشرق آسيا أن التقدم لا يبدأ بالإجماع الكامل، بل يبدأ بوجود مجموعة تؤمن بالمشروع وتمضي في تنفيذه. وبعد أن تظهر النتائج، يتحول النجاح نفسه إلى قوة جذب للآخرين.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام الخليج اليوم ليس في إدارة الخلافات، بل في إدارة الفرص. فالعالم يتحرك بسرعة، والفرص الكبرى لا تنتظر المترددين طويلًا.

إن المستقبل لن يسأل من تحفظ ومن وافق، بل سيسأل: من بنى؟ ومن استثمر؟ ومن خطط؟ ومن استطاع تحويل الرؤية إلى واقع ملموس؟

ولهذا تبقى الحكمة النجدية القديمة صالحة حتى في زمن التحالفات الكبرى:

لا تتبع المقفّي يتعبك.

ابنِ الطريق أولًا، واصنع النجاح أولًا، وواصل المسير نحو المستقبل. فالقوافل التي تعرف وجهتها لا تقضي وقتها تنظر خلفها، بل تركز على الأفق الذي تريد الوصول إليه.

المصادر والمراجع: الأمم المتحدة، اتفاقية قانون البحار (الأحكام المتعلقة بالمضائق)؛ إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026).

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟