الخليج وأزمة هرمز- ورطة من صديق لا من عدو
دول الخليج في أزمة هرمز… ورطة من صديق لا من عدو
أمريكا تجني مكاسب الطاقة وشعوب الخليج تدفع ثمن الأزمة
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – 9 أكتوبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز مجرد تهديد للملاحة الدولية أو اضطراب مؤقت في أسواق النفط والغاز، بل أصبحت أزمة تمس المصالح الاقتصادية والمعيشية لشعوب الخليج، وتطرح سؤالًا بالغ الخطورة: كيف أصبحت الدول التي ترتبط بالولايات المتحدة بتحالفات أمنية وعسكرية وثيقة هي الأكثر تعرضًا للخسائر، بينما تتمتع شركات الطاقة الأمريكية بفرص تجارية واسعة نتيجة اضطراب الصادرات الخليجية؟
إن النظر إلى هذه الأزمة باعتبارها مجرد مواجهة عسكرية يحجب جانبًا اقتصاديًا بالغ الأهمية. فالنتائج لا تتوزع بالتساوي بين أطراف الأزمة. هناك دول تتعطل صادراتها وترتفع تكاليف تجارتها وتتضرر استثماراتها، وفي المقابل هناك منتجون خارج المنطقة يستطيعون زيادة مبيعاتهم والاستفادة من ارتفاع الأسعار والبحث العالمي عن مصادر بديلة للطاقة.
والولايات المتحدة ليست مراقبًا بعيدًا عن هذه المعادلة. فهي قوة عسكرية رئيسية في المنطقة، وشريك أمني لدول الخليج، وفي الوقت نفسه منافس اقتصادي مباشر لها في أسواق النفط والغاز الطبيعي المسال.
لقد تغيرت المصالح الأمريكية في سوق الطاقة بصورة جوهرية. فأمريكا التي كانت من أكبر المستوردين للنفط أصبحت من أكبر المنتجين عالميًا، وتحولت إلى قوة رئيسية في تصدير الغاز الطبيعي المسال. ولذلك فإن اضطراب الإمدادات الخليجية لم يعد يحمل لقطاع الطاقة الأمريكي النتائج نفسها التي كان يحملها قبل عشرين أو ثلاثين عامًا.
عندما تتعطل صادرات النفط والغاز عبر هرمز، يبحث المشترون في آسيا وأوروبا عن مصادر بديلة. وعندما تتراجع قدرة المورد الخليجي على ضمان انتظام الشحنات، تصبح الإمدادات الأمريكية أكثر جاذبية، ليس بسبب السعر وحده، وإنما بسبب ابتعاد طرق تصديرها عن منطقة الصراع.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة لشعوب الخليج. فالثروات التي أنفقت عليها دولها عشرات السنين ومئات المليارات لتطويرها وتسويقها أصبحت معرضة للتعطيل، بينما تتاح للمنافس الأمريكي فرصة الاستفادة من الأسواق التي قد يخسرها المنتج الخليجي.
وليس المطلوب من شعوب الخليج أن تتجاهل هذه النتيجة، أو أن تقبل تصوير كل ما يحدث باعتباره مجرد مصادفة اقتصادية. فمن المشروع أن تتساءل عن المصالح التي تحرك القرارات الأمريكية، وعن مدى إدراك واشنطن للضرر الذي يلحق بحلفائها الخليجيين، وعن مسؤوليتها السياسية والاستراتيجية عن السياسات التي ساهمت في تعريض المنطقة لهذه المخاطر.
أما القول إن الأزمة صُممت عمدًا لتحقيق هذه المكاسب، فهو اتهام يحتاج إلى أدلة على التخطيط والقرار، وليس مجرد إثبات أن طرفًا استفاد اقتصاديًا. لكن غياب الدليل العلني على القصد لا يلغي حق الشعوب في مساءلة السياسات الأمريكية عن نتائجها.
إن الخسائر الخليجية لا تقتصر على انخفاض الصادرات. فاضطراب هرمز يرفع تكاليف التأمين البحري والشحن والاستيراد، ويؤثر في أسعار السلع والمواد الغذائية، ويضع ضغوطًا إضافية على الموازنات العامة والاستثمارات والمشروعات المستقبلية.
والمواطن الخليجي هو الذي يتحمل في النهاية جزءًا من هذه الأعباء، سواء بصورة مباشرة من خلال ارتفاع تكاليف المعيشة، أو بصورة غير مباشرة عندما تتراجع إيرادات الدولة أو تتأخر مشروعاتها أو تنخفض قدرتها على تمويل الخدمات وفرص العمل.
وتبدو المفارقة أشد وضوحًا في قطر. فقد نجحت الدولة خلال عقود في بناء واحدة من أهم صناعات الغاز الطبيعي المسال في العالم، واستثمرت في مرافق الإنتاج والتسييل والأساطيل البحرية والعقود طويلة الأجل. لكن هذا النجاح الصناعي يظل مرتبطًا بممر بحري واحد تتعرض الملاحة فيه للمخاطر.
وأي تعطيل طويل لصادرات الغاز القطري لا يعني خسارة إيرادات الشحنات المتوقفة فحسب، بل يهدد الثقة في استمرارية الإمدادات، وهي أساس العلاقات التجارية طويلة الأجل مع الدول المستوردة.
وفي المقابل، فإن شركات الغاز الأمريكية تستطيع استغلال هذه الظروف لتوسيع حضورها في الأسواق الآسيوية والأوروبية، خصوصًا عندما يبحث المستوردون عن تنويع مصادرهم بعيدًا عن الخليج.
وهذا يضع شعوب الخليج أمام حقيقة قاسية: أن الدولة التي يعتمد عليها الخليج عسكريًا تمتلك شركات تتنافس معه اقتصاديًا، وقد تحقق تلك الشركات مكاسب من اضطراب صادراته.
والسؤال هنا ليس عن حق الشركات الأمريكية في التجارة، بل عن جدوى علاقة أمنية لا تحمي المصالح الاقتصادية الأساسية للدول الحليفة، وعن الثمن الذي تدفعه الشعوب مقابل ترتيبات أمنية لم تمنع تعرض اقتصاداتها لهذا الخطر.
لقد أنفقت دول الخليج مبالغ هائلة على التسليح والبنية الدفاعية، واستضافت قواعد وتسهيلات عسكرية، وأقامت علاقات استراتيجية واسعة مع واشنطن. وكان من أهم أهداف هذه العلاقات المحافظة على الاستقرار وحماية طرق التجارة والطاقة.
فإذا أصبحت هذه الطرق نفسها معرضة للتعطيل، فمن حق الشعوب أن تسأل عن النتائج الفعلية لهذه الترتيبات، لا أن تكتفي بالتصريحات الدبلوماسية والوعود الأمنية.
ولا ينبغي أن تتحول أزمة هرمز إلى مجرد نقاش حول أسعار النفط. فارتفاع سعر البرميل لا يعوض بالضرورة خسارة القدرة على تصديره، وارتفاع سعر الغاز لا يفيد المنتج إذا تعذر وصول الناقلة إلى المشتري.
إن أمن التصدير أهم من ارتفاع الأسعار، واستمرارية الإيرادات أهم من الأرباح الاستثنائية المؤقتة.
وقد كشفت الأزمة كذلك عن خطأ استراتيجي خليجي تراكم عبر عقود، يتمثل في عدم تطوير مسارات تصدير بديلة بالقدر الكافي. فالسعودية والإمارات تمتلكان بعض البدائل عبر الأنابيب والموانئ خارج المضيق، لكن هذه البدائل لا تكفي لحماية جميع صادرات المنطقة، بينما تظل دول أخرى أكثر تعرضًا لتعطيل الملاحة.
ولذلك فإن بناء خطوط أنابيب ومنافذ بحرية بديلة لم يعد مشروعًا اقتصاديًا اختياريًا، بل أصبح ضرورة لحماية الاستقلال الاقتصادي الخليجي.
إن شعوب الخليج لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات التي تتحدث عن متانة العلاقات والتحالفات، وإنما تحتاج إلى معرفة ما الذي حققته هذه العلاقات فعليًا لأمنها الاقتصادي، وما الذي يجب تغييره حتى لا تتكرر الأزمة.
فالعلاقات الدولية لا تقاس بحجم الزيارات الرسمية ولا بقيمة صفقات السلاح، بل بقدرتها على حماية المصالح الأساسية للشعوب عندما تقع الأزمات.
والولايات المتحدة، بوصفها القوة الأكثر حضورًا عسكريًا في الخليج، لا يمكن إعفاؤها من المساءلة السياسية عن نتائج سياساتها في المنطقة. كما لا يجوز تجاهل أن مصالح قطاع الطاقة الأمريكي قد تتحسن في الوقت الذي تتضرر فيه صادرات حلفائها الخليجيين.
إن المطلوب اليوم ليس خطابًا دبلوماسيًا جديدًا، بل مراجعة خليجية شاملة للعلاقة بين الأمن العسكري والأمن الاقتصادي، وللثمن الذي تدفعه الدول مقابل الحماية، وللمخاطر التي تتحملها شعوبها عندما تتعارض مصالح الحليف مع مصالحها.
والخلاصة أن أخطر ما كشفته أزمة هرمز ليس قدرة الخصوم على تهديد المضيق، بل هشاشة الأمن الاقتصادي لدول اعتمدت طويلًا على حليف عسكري أصبحت شركاته من المستفيدين من اضطراب صادراتها.
إن شعوب الخليج هي صاحبة الثروة، وهي التي تتحمل الخسائر، وهي التي ستدفع ثمن أي أزمة طويلة في التجارة والطاقة والاستقرار.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب ألا يغيب عن الرأي العام الخليجي هو:
إذا كانت دول الخليج قد دفعت ثمن التحالف في زمن الاستقرار، فلماذا تتحمل شعوبها خسائر الأزمة، بينما تتوسع الفرص الاقتصادية لدى الحليف الذي انتظرت منه الحماية؟
المصادر والمراجع: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ الأمم المتحدة، اتفاقية قانون البحار (الأحكام المتعلقة بالمضائق)؛ الأونكتاد، مراجعة النقل البحري 2025.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment