العرب يفهمون إيران لكن إيران لا تفهم خطورة العرب
العرب يفهمون إيران… لكن إيران لا تفهم خطورة العرب
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – محلل اقتصاد وتسويق – الدوحة – 7 مايو 2026
العرب عبر التاريخ عاشوا مع فارس، وتاجروا معها، وحاربوها، وتحالفوا معها، ثم عادوا واختلفوا معها مرة أخرى. ولذلك فالعقل العربي يفهم جيدًا كيف تفكر إيران: كيف تستخدم الصبر الطويل، وكيف تراهن على الزمن، وكيف تبني النفوذ بهدوء عبر السياسة والمذهب والتجارة وحروب الوكلاء. لكن المشكلة الكبرى أن إيران — رغم كل هذا الاحتكاك التاريخي — ما زالت لا تفهم العرب عندما يتحولون من حالة التفرق إلى حالة الخطر الوجودي.
إيران تنظر إلى الخليج أحيانًا وكأنه مجموعة دول صغيرة يمكن الضغط على كل دولة فيها منفردة، تمامًا كما يؤكل “الفستق الإيراني حبة حبة”. لكنها تتجاهل حقيقة تاريخية خطيرة: العرب إذا شعروا أن وجودهم الجماعي مهدد، فإن رد الفعل يتغير بالكامل، وتتحول المنطقة من حالة التنافس إلى حالة الاصطفاف.
التاريخ نفسه يقول إن العرب لم يكونوا قوة عابرة في فارس، بل حكموا بلاد فارس قرابة قرنين بشكل مباشر بعد سقوط الدولة الساسانية في القرن السابع الميلادي، ثم بقي التأثير العربي والإسلامي السياسي والثقافي ممتدًا لقرون طويلة. وهذه ليست دعوة لاستحضار الماضي بقدر ما هي تذكير بأن موازين القوة في المنطقة ليست ثابتة كما تتخيل بعض العقول المتعالية.
المشكلة أن بعض دوائر القرار في طهران تقرأ الخليج فقط من زاوية الثروة والنفط وصغر المساحة الجغرافية، لكنها لا تقرأ العمق الحقيقي: العمق المالي، والعمق القبلي والاجتماعي، والتحالفات الدولية، والقدرة اللوجستية، والسيطرة على أسواق الطاقة، والقدرة على إعادة تشكيل طرق التجارة العالمية إذا لزم الأمر.
وانظر اليوم إلى قدرة الإمارات على المناورة والاتصال بالعالم. فهي دولة عربية واحدة فقط، لكنها استطاعت أن تبني شبكة علاقات تمتد من واشنطن إلى بكين، ومن الهند إلى إفريقيا وأوروبا، عبر الموانئ والطيران والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا. وهذا يعني أن القوة الحديثة لم تعد فقط بعدد السكان أو مساحة الأرض، بل بقدرة الدولة على التحرك داخل الاقتصاد العالمي وصناعة المصالح.
فإذا كانت هذه قدرة دولة عربية واحدة، فكيف سيكون المشهد لو تحرك العرب اقتصاديًا واستراتيجيًا ضمن رؤية مشتركة؟
هنا تكمن النقطة التي قد لا تستوعبها إيران بالكامل. فالعالم العربي إذا اجتمعت مصالحه يملك أهم الممرات البحرية، وأكبر احتياطات الطاقة، وأضخم الصناديق السيادية، وموقعًا جغرافيًا يربط آسيا بإفريقيا وأوروبا. وحينها لن تكون المواجهة مجرد صواريخ أو مضايق بحرية، بل معركة اقتصاد عالمي وسلاسل إمداد وتحالفات طويلة النفس.
الخليج اليوم ليس خليج السبعينات. هناك موانئ عملاقة، وصناديق سيادية، واستثمارات عالمية، وخطوط طاقة، وتكنولوجيا، وتحالفات تمتد من آسيا إلى الغرب. وأي صدام طويل لن يكون مجرد مواجهة عسكرية، بل معركة اقتصاد واستنزاف وإمداد عالمي.
إيران تفهم كيف تُقلق المنطقة… لكنها ربما لا تفهم أن العرب إذا اقتنعوا أن الاستقرار لن يتحقق إلا بتحجيم المشروع الإيراني، فإنهم يملكون من المال والطاقة والتحالفات والقدرة الاقتصادية ما يكفي لتغيير موازين المنطقة لعقود.
ولذلك فإن أخطر خطأ استراتيجي قد تقع فيه طهران ليس مواجهة أمريكا… بل سوء تقدير صبر العرب وحدود تحملهم. لأن العربي قد يصبر طويلًا، لكنه إذا شعر أن بيته مهدد، فإن حساباته تتغير بالكامل.
وفي عالم اليوم، لم تعد القوة بعدد الجنود فقط، بل بمن يملك الموانئ، والطاقة، والأسواق، والتأثير المالي، وسلاسل الإمداد، ومن يستطيع الصمود اقتصاديًا لعشر سنوات لا لعشرة أيام.
ولهذا ربما يفهم العرب إيران جيدًا… لكن السؤال الحقيقي:
هل فهمت إيران حتى الآن خطورة العرب إذا اتحدت مصالحهم؟
المصادر والمراجع: الأمم المتحدة، ميثاق الأمم المتحدة؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment