روسيا تدخل على خط هرمز هل تُصنع صفقة الخليج من دون الخليجيين

روسيا تدخل على خط هرمز… هل تُصنع صفقة الخليج من دون الخليجيين؟

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة – 28 سبتمبر 2026

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي تعبر منه ناقلات النفط والغاز، بل أصبح في الأزمة الحالية ورقة سياسية وأمنية واقتصادية تستخدم في صراع أكبر من المضيق نفسه. ومن هنا تكتسب المبادرة التي أعلنها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أهمية خاصة؛ فروسيا لا تتحدث فقط عن إعادة فتح ممر ملاحي، وإنما تطرح نفسها طرفاً في البحث عن شكل جديد للأمن في الخليج.

قال لافروف في كلمته يوم 26 سبتمبر إن المواجهات المسلحة المتكررة في الخليج ومضيق هرمز أضرت بالملاحة والتجارة العالميتين، ودعا إلى بناء الثقة بين إيران ودول الخليج العربية وتسوية قضية المضيق بالوسائل السياسية والدبلوماسية. كما أعلنت موسكو استعدادها للمساهمة في تحقيق الاستقرار في المنطقة.

لكن اللافت أن ما طرحه لافروف ليس فكرة وُلدت في كلمته الأخيرة. ففي مناقشات سابقة أمام مجلس الأمن، أحالت روسيا إلى نسخة محدثة من مفهومها لـ«الأمن الجماعي في منطقة الخليج» كانت قد أرسلتها إلى الدول العربية وإيران في مايو الماضي. ويتضمن الطرح الروسي خطوات لبناء الثقة، ومبدأ الأمن المتساوي وغير القابل للتجزئة، وحرية الملاحة في هرمز وفق القانون الدولي. كما أعلنت موسكو استعدادها للمساعدة في صياغة اتفاق أمريكي–إيراني طويل الأمد، بل واتفاق إقليمي أوسع إذا طلبت الأطراف ذلك.

وهنا يصبح الموضوع أكبر من مجرد فتح المضيق.

قبل أربعة أيام فقط من كلمة لافروف، طرح صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر من المنبر نفسه رؤية تحمل نقاط التقاء واضحة مع بعض عناصر الطرح الروسي. فقد قال سموه إن جوهر الوضع الخطير في المنطقة هو غياب نظام إقليمي للأمن الجماعي يحترم سيادة الدول ووحدة أراضيها، ويشجع على حل النزاعات سلمياً وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. كما دعا إلى فتح مضيق هرمز والعودة إلى المفاوضات، وصولاً إلى حل دائم يحقق الأمن والاستقرار للمنطقة كلها، بما فيها إيران.

هذا التقاطع يستحق التوقف عنده، ولكن لا ينبغي أن نفهم منه أن المبادرتين متطابقتان أو أن هناك تنسيقاً معلناً بين الدوحة وموسكو. المتاح علناً حتى الآن لا يثبت ذلك. إنما هناك تقارب في الفكرة الأساسية: أمن الخليج لا يمكن أن يبقى رهينة جولات الحرب ثم التهدئة، ولا يمكن أن يكون هرمز في كل أزمة سلاحاً موجهاً إلى الاقتصاد العالمي.

المشكلة الكبرى هي: من سيكتب قواعد النظام الجديد؟

الولايات المتحدة قوة عسكرية رئيسية في الخليج، وإيران دولة مطلة على المضيق وتمتلك أدوات ضغط عسكرية وجغرافية كبيرة، وروسيا تحاول توسيع دورها الدبلوماسي، كما أن الصين صاحبة مصالح ضخمة في استقرار تدفقات الطاقة. ولكن الدول التي تعيش على ضفتي الخليج هي التي تتحمل النتائج المباشرة لأي حرب أو إغلاق للمضيق.

ولهذا يجب ألا يتحول مستقبل هرمز إلى صفقة بين القوى الكبرى وإيران ثم تُعرض نتائجها على دول الخليج بعد الاتفاق عليها.

هناك فرق كبير بين أن تكون دول الخليج موضوعاً للمفاوضات وأن تكون طرفاً أصيلاً فيها.

أزمة هرمز أثبتت أن أمن الطاقة الخليجي لا ينفصل عن الأمن الوطني. عندما يتوقف التصدير أو تتعرض المنشآت والموانئ للخطر، فإن المسألة لا تعود قضية شركات نفط وناقلات، بل تصبح قضية إيرادات دولة وسلاسل إمداد وتأمين وشحن واستثمارات وميزانيات.

ولهذا كتبت سابقاً عن ضرورة ألا تعتمد دول الخليج اعتماداً شبه كامل على المضيق، وعن الحاجة إلى توسيع خطوط الأنابيب والمنافذ البديلة. وهذه الفكرة تصبح اليوم أكثر إلحاحاً. فالاتفاقات السياسية ضرورية، ولكن البنية التحتية البديلة هي بوليصة التأمين الحقيقية.

يمكن توقيع اتفاق لفتح هرمز اليوم، ولكن ماذا عن الأزمة التالية بعد خمس أو عشر سنوات؟

إذا بقيت نسبة كبيرة من صادرات المنطقة رهينة ممر واحد، فإن المشكلة الاستراتيجية لم تُحل. الذي تغير فقط هو أننا اشترينا بعض الوقت.

من هنا ينبغي أن يسير المساران معاً: تسوية سياسية تضمن حرية الملاحة، ومشروع خليجي طويل الأمد يقلل الاعتماد على المضيق.

كما أن أي نظام للأمن الجماعي في الخليج يحتاج إلى تعريف دقيق. فعبارة «الأمن الجماعي» تبدو جذابة، لكن السؤال هو: ماذا يحدث عندما تخرق إحدى الدول الاتفاق؟ ومن يحدد أن الخرق وقع؟ وما ضمان عدم التدخل في الشؤون الداخلية؟ وكيف تعالج الصواريخ والطائرات المسيّرة والجماعات المسلحة؟ وهل يشمل الاتفاق أمن المنشآت النفطية والغازية والموانئ وخطوط الأنابيب والكابلات البحرية؟

هذه التفاصيل أهم من الاسم الذي سيحمله الاتفاق.

كذلك ينبغي ألا تتحول حرية الملاحة في هرمز إلى بند قابل للمساومة في كل خلاف سياسي. المضيق ليس ملكاً لدولة واحدة، وتأثير تعطيله يتجاوز الخليج إلى آسيا وأوروبا وأفريقيا. وقد وصف أمير قطر في خطابه خطورة تحول شرايين الاقتصاد العالمي إلى أوراق ضغط ومساومة، مشيراً إلى أن نحو ربع تجارة الطاقة العالمية تعبر المضيق.

ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى التحرك الروسي باعتباره فرصة دبلوماسية، ولكن أيضاً باعتباره تذكيراً لدول الخليج بأن القوى الكبرى تتحرك عندما تتعرض مصالحها للخطر. روسيا لها حساباتها، والولايات المتحدة لها حساباتها، والصين لها مصالحها، وإيران لها أهدافها. وهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية.

أما دول الخليج فعليها أن تحدد مصالحها هي.

والأهم أن هناك بالفعل نقاشاً حول ترتيبات ما بعد الحرب. فقد شارك أمير قطر في 22 سبتمبر في اجتماع متعدد الأطراف عقدته الولايات المتحدة في نيويورك، وشارك فيه قادة ومسؤولون من دول المنطقة، وبحث الاجتماع صراحة «الاستراتيجيات المطروحة لمرحلة ما بعد الحرب والترتيبات المرتبطة بها» إلى جانب أمن المنطقة وإمدادات الطاقة. وهذا يعني أن النقاش حول شكل المرحلة المقبلة لم يعد افتراضياً.

لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يشغلنا ليس: هل نقبل المبادرة الروسية أم نرفضها؟

السؤال الأهم هو: ما المبادرة الخليجية؟

دول الخليج تعرف جغرافيتها ومصالحها ومخاطرها أكثر من موسكو وواشنطن وبكين. ومن مصلحتها أن تدخل أي مفاوضات مستقبلية برؤية واضحة تتضمن حرية الملاحة الدائمة في هرمز، وعدم استخدام الطاقة والممرات البحرية كسلاح سياسي، واحترام السيادة وعدم التدخل، وضبط مصادر التهديد العابرة للحدود، وفي الوقت نفسه إنشاء شبكة قوية من خطوط الأنابيب والموانئ والطرق البديلة.

عندها فقط يصبح الحوار مع إيران جزءاً من منظومة أمنية متوازنة، وليس مجرد استراحة بين حربين.

مبادرة لافروف قد تكون بداية مسار دبلوماسي جديد، وقد تبقى مجرد إطار سياسي عام؛ فالتفاصيل التنفيذية الكاملة لم تُعلن حتى الآن. لكن ظهورها في هذا التوقيت يحمل رسالة مهمة: مرحلة ما بعد أزمة هرمز بدأت تُناقش بالفعل.

وعلى دول الخليج أن تكون في قلب هذه المناقشات، لأن هرمز قد يكون قضية دولية، لكنه قبل كل شيء باب بيتنا الخليجي.

المصادر والمراجع: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ الأمم المتحدة، اتفاقية قانون البحار (الأحكام المتعلقة بالمضائق)؛ الأونكتاد، مراجعة النقل البحري 2025.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟