حين يضعف الفعل الجماعي كيف نُفاجأ عند لحظة الخطر

عنوان المقال:

حين يضعف الفعل الجماعي… كيف نُفاجأ عند لحظة الخطر؟

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – محلل اقتصاد وتسويق – الدوحة – 1 مايو 2026

ليست المشكلة في أن تختلف الدول، فذلك طبيعي في عالم تحكمه المصالح، لكن الإشكال الحقيقي يظهر عندما تتحول الخلافات إلى تعطيل مزمن لأدوات العمل الجماعي، ثم نتفاجأ عند أول اختبار أمني حقيقي بأن “المنظومة” التي نعوّل عليها كانت أضعف مما نتصور.

في الخليج والعالم العربي والإسلامي، نمتلك ثلاث منصات كبرى: مجلس التعاون لدول الخليج العربية، جامعة الدول العربية، منظمة التعاون الإسلامي. هذه المؤسسات لم تُنشأ للبيانات فقط، بل لتكون مظلة تنسيق، ورافعة موقف، وأداة ردع معنوي وسياسي على الأقل. لكن مع مرور الوقت، تآكلت فعاليتها، ليس بسبب ضعف الهياكل، بل بسبب غياب الإرادة المشتركة.

عندما تُطرح قضية كبرى بحجم الصراع مع إسرائيل، ويغيب الفعل الجماعي الحقيقي، فإن الرسالة التي تصل للعالم ليست فقط “اختلاف مواقف”، بل “غياب مركز ثقل موحد”. هذا الغياب لا يمر دون ثمن؛ فهو يضعف مصداقية أي تحرك مستقبلي، ويجعل كل دولة تبدو وكأنها تتحرك منفردة حتى في القضايا المصيرية.

وفي قلب هذا المشهد، تأتي سياسات دول مثل الإمارات العربية المتحدة، التي تتبنى نهجًا براغماتيًا واضحًا: تقليل التصعيد، تنويع الشراكات، والابتعاد عن أي مسار جماعي قد يجرها إلى مواجهات غير محسوبة. هذا الخيار مفهوم من زاوية المصالح الوطنية، لكنه يطرح سؤالًا أكبر: ماذا يحدث عندما تتحول البراغماتية الفردية إلى سلوك جماعي عام؟

الإجابة تظهر بوضوح عند أول صدمة. عندما يقع تهديد مباشر من قوة إقليمية مثل إيران، يتجه الجميع فورًا إلى طلب التضامن. لكن هنا تظهر المفارقة: كيف نطلب تفعيل منظومة لم نعمل أصلًا على تفعيلها؟ وكيف ننتظر موقفًا موحدًا من كيانات اعتدنا استخدامها كمنصات خطاب لا كأدوات فعل؟

المشكلة ليست في دولة بعينها، بل في “النمط”. نمط إدارة الخلافات داخل هذه المنظومات جعلها بطيئة، حذرة، وأحيانًا عاجزة عن مواكبة الأحداث. ومع تكرار هذا النمط، تصبح كل أزمة اختبارًا جديدًا يكشف نفس النتيجة: تضامن متأخر، أو محدود، أو رمزي.

التاريخ القريب يعلّمنا أن التهديدات لا تحترم الخلافات البينية. أي تصعيد مع إيران مثلًا، لا يبقى محصورًا في دولة واحدة، بل يعيد رسم خريطة المخاطر في المنطقة بأكملها. وهنا، لا تعود البراغماتية الفردية كافية، لأن الخطر نفسه يصبح “جماعيًا” حتى لو بدأ “فرديًا”.

السؤال الذي يجب أن نواجهه بصراحة: هل نريد هذه المنصات كديكور سياسي، أم كأدوات حقيقية لإدارة الأزمات؟ لأن الفرق بين الاثنين ليس في النصوص أو الاتفاقيات، بل في قرار التفعيل نفسه.

إعادة بناء الثقة في العمل الجماعي لا تبدأ عند لحظة الخطر، بل قبلها بسنوات. تبدأ بتوحيد الحد الأدنى من المواقف، وتفعيل آليات التنسيق، والاتفاق على خطوط حمراء مشتركة. بدون ذلك، سنظل ندور في نفس الحلقة: خلاف في وقت السلم، وارتباك في وقت الأزمات.

الخلاصة التي قد تبدو قاسية لكنها واقعية:

من لا يستثمر في قوة الجماعة في الأوقات الهادئة، لن يجدها جاهزة عندما تشتد العاصفة.

هذا ليس نقدًا لدولة، بل مراجعة لنموذج كامل… نموذج يحتاج أن يُعاد التفكير فيه قبل أن تفرضه الأحداث بشكل أقسى.

🄯 جميع الحقوق محفوظة © عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة 2025

يحظر إعادة النشر أو الترجمة أو الاقتباس الجزئي إلا بإذن خطي من المؤلف.

🄯 Todos los derechos reservados © Abdulaziz Fahd Al-Hazza – Doha 2025

Se prohíbe la reproducción, traducción o cita parcial sin autorización escrita del autor.

المصادر والمراجع: الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟