الأنابيب المفقودة لماذا لا تبني قطر طريقًا للغاز يتجاوز هرمز

الأنابيب المفقودة… لماذا لا تبني قطر طريقًا للغاز يتجاوز هرمز؟

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة – 25 سبتمبر 2026

أثار تصريح سعادة المهندس سعد بن شريدة الكعبي، وزير الدولة لشؤون الطاقة، بأن نقل الغاز الطبيعي المسال عبر خطوط الأنابيب غير منطقي اقتصاديًا، قضية تستحق نقاشًا أوسع من مجرد المقارنة بين تكلفة السفينة وتكلفة الأنبوب. فالمسألة بالنسبة لقطر ليست فقط: أيهما أرخص؟ بل السؤال الأهم: هل من الحكمة أن تبقى صادرات الدولة الاستراتيجية معتمدة إلى هذه الدرجة على ممر بحري واحد هو مضيق هرمز؟

من الناحية الفنية، الوزير محق في نقطة أساسية: الغاز الطبيعي المسال LNG لا يُضخ كما هو في خط أنابيب لمسافات طويلة. الغاز يُسال في رأس لفان لكي يصبح قابلًا للنقل بالسفن، أما نقله بالأنابيب فيكون في حالته الغازية. ولذلك فإن إنشاء طريق بديل لهرمز يعني مد خط لنقل الغاز الطبيعي من قطر إلى ساحل يقع خارج المضيق، ثم بناء منشآت تسييل جديدة في نهاية الخط لتحويله إلى LNG وتحميله على الناقلات.

وهذا بلا شك مشروع باهظ الثمن. لكن ارتفاع التكلفة لا يعني بالضرورة أن المشروع غير منطقي، لأن البنية التحتية الاستراتيجية لا تُقاس دائمًا بالعائد المالي المباشر وحده.

قطر بنت خلال عقود صناعة غاز هائلة، وتعمل على رفع طاقتها الإنتاجية من الغاز الطبيعي المسال إلى نحو 142 مليون طن سنويًا بحلول نهاية العقد. ومع هذه الزيادة تصبح قيمة ما يمر عبر هرمز أكبر، وبالتالي تصبح تكلفة تعطل هذا الطريق، ولو مؤقتًا، أكبر أيضًا.

هنا يجب أن يتغير السؤال من: كم سيكلف الأنبوب؟ إلى: كم سيكلف قطر عدم وجود الأنبوب إذا تعرض هرمز لإغلاق أو اضطراب طويل؟

العالم يعرف هذا المنطق جيدًا. الدول المنتجة للنفط والغاز أنفقت مليارات الدولارات لإنشاء طرق تصدير بديلة لا لأنها الأرخص في الظروف الطبيعية، وإنما لأنها تمنحها خيارًا ثانيًا في الظروف غير الطبيعية.

السعودية، على سبيل المثال، تمتلك خط أنابيب شرق–غرب الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر، وبذلك تستطيع تصدير جزء كبير من نفطها دون المرور عبر هرمز. والإمارات أنشأت خط حبشان–الفجيرة لنقل النفط الخام من أبوظبي إلى ساحل الفجيرة على بحر عُمان، خارج المضيق. هذه المشاريع ليست بديلًا كاملًا للممرات البحرية التقليدية، لكنها تمنح الدول المنتجة هامش مناورة استراتيجيًا عندما تتعرض طرق التصدير الرئيسية للخطر.

وهذا هو جوهر القضية بالنسبة لقطر.

يمكن من حيث المبدأ التفكير في خط غاز قطري طويل المدى يصل إلى ساحل على بحر العرب، حيث تقام منشأة تسييل وميناء تصدير. المشروع سيكون معقدًا للغاية، وسيحتاج إلى اتفاقات سياسية وأمنية وأراضٍ واستثمارات بمليارات الدولارات. كما أن محطة التسييل الجديدة لن تكون صغيرة، لأن المطلوب ليس مجرد مشروع تجريبي، بل قدرة تصديرية تكفي لتأمين نسبة ذات معنى من صادرات قطر في حالة الطوارئ.

لكن ليس مطلوبًا أن ينقل الطريق البديل كامل إنتاج قطر.

هذه نقطة جوهرية. فإذا كانت الطاقة القطرية ستصل إلى نحو 142 مليون طن سنويًا، فقد يكون الهدف الاستراتيجي إنشاء قدرة بديلة تغطي مثلًا جزءًا من الصادرات، وليس كلها. وجود منفذ يستطيع إخراج حتى نسبة محدودة من الإنتاج خارج هرمز قد تكون له قيمة كبيرة في الأزمات، لأنه يحافظ على جزء من التدفقات والعقود والعلاقات مع المشترين.

كما أن محطة التسييل الثانية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مصنعًا زائدًا عن الحاجة. يمكن تشغيلها تجاريًا في الأوقات الطبيعية، ثم تتحول إلى صمام أمان في الظروف الاستثنائية. وبذلك لا تبقى منشأة احتياطية خاملة تنتظر الأزمة، وإنما تكون جزءًا من شبكة التصدير القطرية اليومية.

صحيح أن قطر تمتلك واحدة من أكثر منظومات LNG كفاءة وتكاملًا في العالم في رأس لفان، وأن تكرار جزء منها في موقع آخر سيزيد تكلفة الإنتاج. كما أن مد أنبوب عبر دولة أو أكثر يخلق مخاطر جديدة؛ فالأنبوب نفسه يمكن أن يتعرض للتخريب أو الهجوم، كما أن قطر ستعتمد عندئذ على استقرار الدول التي يمر عبر أراضيها.

ولهذا لا ينبغي تصوير الأنبوب باعتباره حلًا سحريًا.

لكن وجود مخاطر في الطريق البديل لا يلغي مشكلة الاعتماد شبه الكامل على الطريق الحالي. التنويع لا يزيل المخاطر؛ بل يمنع تجمعها كلها في نقطة واحدة.

والأهم أن الاقتصاد القطري اليوم يختلف عن الاقتصاد القطري عندما بدأت صناعة الغاز المسال. قطر أصبحت من أهم موردي LNG في العالم، وأمن صادراتها أصبح مرتبطًا بأمن الطاقة لدى عشرات الدول. ومع توسعة حقل الشمال تصبح مسؤولية استمرارية الإمدادات أكبر، وتصبح المرونة اللوجستية عنصرًا من عناصر القوة التجارية نفسها.

وقد يقول البعض إن المجتمع الدولي لن يسمح بإغلاق هرمز مدة طويلة، لأن ذلك سيضرب الاقتصاد العالمي. وهذا صحيح إلى حد بعيد. لكن التخطيط الاستراتيجي لا يُبنى على افتراض أن الآخرين سيتدخلون دائمًا في الوقت المناسب.

كما أن المضيق لا يحتاج بالضرورة إلى إغلاق كامل حتى تحدث الخسائر. ارتفاع التأمين، وتهديد السفن، وتأخر الناقلات، وارتفاع أجور الشحن أو توقف بعض الشركات عن العبور يمكن أن يرفع تكلفة التصدير ويعطل جزءًا من التجارة حتى لو بقي المضيق مفتوحًا رسميًا.

ومن هنا أختلف مع فكرة الحكم على مشروع الأنابيب ومحطة التسييل الخارجية من زاوية الجدوى التجارية المباشرة فقط.

إذا كانت قطر ستنفق عشرات المليارات على زيادة قدرتها الإنتاجية، وعلى أسطول ضخم من ناقلات الغاز، وعلى مشاريع LNG خارج قطر، فمن المنطقي على الأقل أن تدرس بالتفصيل تكلفة إنشاء منفذ تصدير قطري ثانٍ خارج هرمز، وأن تقارنها ليس فقط بتكلفة رأس لفان، وإنما بالخسارة المحتملة الناتجة عن تعطل صادرات الغاز في أزمة إقليمية كبيرة.

ربما تنتهي الدراسة إلى أن المشروع مكلف أكثر مما ينبغي. وربما تثبت أن مسارًا معينًا غير عملي. لكن هذه نتيجة مختلفة تمامًا عن استبعاد الفكرة لأن نقل الغاز بالأنابيب ثم إعادة تسييله أغلى من تحميل LNG مباشرة من رأس لفان.

الأمن له ثمن. والتأمين له ثمن. والاستقلال في القرار له ثمن أيضًا.

لقد بنت قطر ثروتها الحديثة على الغاز، وأصبحت رأس لفان واحدة من أهم مناطق الطاقة في العالم. وهذه قصة نجاح استثنائية. لكن كلما تضاعفت قيمة هذه الصناعة، تضاعفت أهمية ألا يبقى باب خروجها الرئيسي واحدًا.

لذلك فإن مشروع خط غاز إلى ما وراء هرمز، ينتهي بمنشآت تسييل وميناء تصدير على بحر العرب، لا ينبغي النظر إليه باعتباره منافسًا لرأس لفان أو مشروعًا مطلوبًا منه تحقيق أعلى عائد مالي.

يمكن النظر إليه كما تنظر الدول إلى الاحتياطيات الاستراتيجية والتأمين: ندفع تكلفته في زمن الاستقرار حتى لا ندفع تكلفة أكبر بكثير في زمن الأزمة.

والسؤال الذي يستحق أن تطرحه قطر اليوم ليس: هل الأنبوب أرخص من السفينة؟

بل: بعد أن تصبح قطر من أعظم قوى الغاز في العالم، هل من الحكمة أن يبقى معظم هذا الغاز خلف بوابة بحرية واحدة؟

المصادر والمراجع: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ الأمم المتحدة، اتفاقية قانون البحار (الأحكام المتعلقة بالمضائق)؛ الأونكتاد، مراجعة النقل البحري 2025.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟