كيف تستفيد دول الخليج من تجربة إبراهيم الحمدي في تحرير الاقتصاد والمجتمع من هيمنة العصبية القبلية؟
كيف تستفيد دول الخليج من تجربة إبراهيم الحمدي في تحرير الاقتصاد والمجتمع من هيمنة العصبية القبلية؟
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – 26 أكتوبر 2026
عندما تولى الرئيس اليمني إبراهيم الحمدي الحكم عام 1974، واجه مشكلة تاريخية تمثلت في نفوذ مشايخ القبائل على القرار السياسي والعسكري والاجتماعي، وقدرتهم على التأثير في توزيع الموارد والفرص الاقتصادية. وأدرك أن بناء الدولة الحديثة لا يتحقق بمجرد إنشاء الوزارات والمؤسسات، ما دامت هناك قوى اجتماعية تستطيع منافسة سلطة الدولة والتأثير في حقوق المواطنين.
لم يكن هدف الحمدي القضاء على القبيلة باعتبارها رابطة اجتماعية، وإنما تقليص قدرتها على فرض نفوذها فوق مؤسسات الدولة. ولهذا أضعف حضور بعض المشايخ في الجيش والحكومة، ودعم جمعيات التنمية المحلية التي تمكن المواطنين من تنفيذ المشروعات والخدمات دون الاعتماد الكامل على الزعامات القبلية.
وهنا يبرز درس مهم لدول الخليج، التي تختلف ظروفها الاقتصادية والسياسية عن اليمن، لكنها تشترك معه في وجود روابط قبلية وعائلية قوية، قد تتحول في بعض الحالات من علاقات اجتماعية مشروعة إلى شبكات نفوذ اقتصادي وإداري.
فالقبلية لا تصبح مشكلة عندما يعتز المواطن بنسبه وتاريخه، وإنما عندما يصبح الانتماء القبلي أو العائلي وسيلة للحصول على الأراضي والعقود والوظائف والامتيازات، أو للتحكم في المكانة الاجتماعية للأفراد.
النفوذ القبلي والسيطرة على الاقتصاد
تقوم الاقتصادات الخليجية على ثروات نفطية وغازية هائلة، تتولى الدولة توزيع جانب كبير من عائداتها من خلال الإنفاق العام والمشروعات والعقود والأراضي والتمويل والخدمات.
وفي مثل هذا النظام الاقتصادي، تزداد أهمية العلاقات الشخصية والعائلية إذا لم تكن قواعد توزيع الفرص واضحة وخاضعة للمساءلة.
وقد تتحول بعض الشبكات القبلية والعائلية إلى قوة اقتصادية مؤثرة من خلال امتلاك الشركات، والحصول على العقود الحكومية، والوساطة في التراخيص، والتأثير في تعيين المسؤولين ومجالس الإدارات.
لكن يجب التمييز بين الثروة العائلية الناتجة عن العمل والاستثمار المشروع، وبين الامتياز الاقتصادي الذي يحصل عليه صاحبه بسبب النفوذ لا بسبب الكفاءة أو المنافسة.
إن امتلاك عائلة أو قبيلة لشركات كبيرة ليس مشكلة بحد ذاته. المشكلة تبدأ عندما تستطيع هذه العلاقات منع المنافسين من دخول السوق، أو توجيه القرارات الاقتصادية لمصلحتها.
وهنا يمكن الاستفادة من تجربة الحمدي، الذي حاول نقل مركز النفوذ من الشخصيات القبلية إلى مؤسسات التنمية والإدارة العامة.
فالمطلوب خليجياً ليس محاربة الأسر التجارية أو مصادرة أملاكها، وإنما الفصل بين المكانة الاجتماعية والامتيازات الاقتصادية، وفتح الأسواق أمام جميع المواطنين وفق قواعد عادلة.
تحرير الاقتصاد من احتكار النفوذ
تحتاج دول الخليج إلى مراجعة العلاقة بين المال العام والشبكات الاجتماعية النافذة، من خلال نشر نتائج المناقصات الحكومية، وإعلان المستفيدين الحقيقيين من الشركات المتعاقدة مع الدولة، ومنع تضارب المصالح بين المسؤولين وأصحاب الشركات.
كما ينبغي إخضاع تخصيص الأراضي الصناعية والتجارية، والتمويل المدعوم، والامتيازات الاستثمارية، لمعايير معلنة تسمح للشباب وأصحاب المشروعات الجديدة بالمنافسة دون الحاجة إلى وسطاء نافذين.
فإذا كان الشاب يحتاج إلى اسم عائلته لفتح أبواب الاستثمار، فإن الاقتصاد يخسر مواهب قد تكون أكثر قدرة على الابتكار والإنتاج من أصحاب النفوذ التقليدي.
وإذا أصبحت العقود الحكومية تدور بين مجموعات محدودة، فإن الدولة لا تتحمل فقط ارتفاع التكلفة، وإنما تخسر أيضاً فرصة بناء طبقة واسعة من رجال الأعمال المستقلين.
والنتيجة هي اقتصاد تتراكم فيه الثروة والنفوذ لدى شبكات محددة، بينما يتحول جزء من المجتمع إلى متلقٍ للوظائف والمساعدات بدلاً من المشاركة الفعلية في إنتاج الثروة.
النفوذ الاجتماعي أخطر من الاحتكار الاقتصادي
لا يقتصر تأثير العصبية القبلية على الاقتصاد، بل يمتد إلى العلاقات الاجتماعية، والزواج، والوجاهة، والتوظيف، وأحياناً إلى تقدير مكانة المواطن داخل مجتمعه.
وعندما يصبح اسم العائلة أو القبيلة معياراً للمكانة الاجتماعية، تتراجع أهمية التعليم والعمل والأخلاق والإنجاز الشخصي.
وقد يؤدي ذلك إلى وجود تسلسل اجتماعي غير معلن، يمنح بعض المواطنين نفوذاً يتجاوز مؤهلاتهم، ويضع آخرين في مراتب اجتماعية أدنى رغم كفاءتهم ومساهمتهم في بناء وطنهم.
وهذا يتعارض مع مفهوم المواطنة الحديثة، التي تقوم على المساواة أمام القانون، لا على ترتيب الناس بحسب أنسابهم.
وتستطيع دول الخليج معالجة هذه الظاهرة بالتعليم والإعلام وتكافؤ الفرص، وبتعزيز المكانة الاجتماعية للعلماء والمهندسين والمعلمين والباحثين ورواد الأعمال، بصرف النظر عن أصولهم القبلية والعائلية.
كما يجب ألا تتحول المجالس والتجمعات القبلية إلى قنوات موازية للمؤسسات الرسمية للحصول على الخدمات أو التأثير في التعيينات والقرارات الاقتصادية.
فالقبيلة يمكن أن تبقى مصدراً للتكافل الاجتماعي وحفظ التراث، دون أن تتحول إلى جهة تمنح الامتيازات أو تحدد مستقبل الأفراد.
الدولة الريعية وإعادة إنتاج العصبية
تظهر هنا مشكلة اقتصادية تستحق اهتماماً خاصاً.
فالدولة التي تحصل على معظم إيراداتها من النفط والغاز تستطيع تقديم الخدمات والدعم للمواطنين، لكنها قد تسمح، إذا ضعفت الرقابة والمساءلة، بانتقال جانب من الثروة العامة عبر شبكات النفوذ بدلاً من قواعد الاستحقاق.
وهنا لا يكون النفط والغاز مجرد مصدر للرفاهية، بل قد يتحولان بصورة غير مباشرة إلى وسيلة لتوسيع نفوذ بعض الجماعات الاجتماعية والاقتصادية.
ولهذا فإن تنويع الاقتصاد الخليجي لا يقتصر على إنشاء المصانع والشركات والقطاعات الجديدة، وإنما يتطلب أيضاً تنويع قاعدة المستفيدين من الفرص الاقتصادية.
فالاقتصاد الذي تتعدد قطاعاته وتظل امتيازاته محصورة في الشبكات نفسها لا يحقق التنوع الاجتماعي المطلوب لبناء مجتمع منتج ومستقل.
ما الذي نتعلمه من تجربة الحمدي؟
أهم ما يمكن استخلاصه هو ضرورة تحرير المواطن من اعتماده على الوسيط القبلي أو العائلي للحصول على حقوقه وفرصه.
لكن تجربة الحمدي تضمنت أيضاً تركيز السلطة في القيادة العسكرية وتعليق الدستور، ولذلك ينبغي الاستفادة من إصلاحاته التنموية دون تكرار أساليبه السلطوية.
والبديل الخليجي هو بناء مؤسسات مستقلة وشفافة للمنافسة والرقابة والقضاء، وتطبيق القوانين على الجميع، بحيث تكون العلاقة مع الدولة مباشرة بين المواطن والمؤسسة المختصة.
ومن الضروري أيضاً نشر مؤشرات سنوية عن توزيع العقود والأراضي والتمويل، ومدى وصولها إلى الشركات الصغيرة ورواد الأعمال الجدد، حتى يمكن قياس تكافؤ الفرص بالأرقام.
إن نجاح هذا التحول لا يقاس بعدد القبائل أو مكانتها، وإنما بانخفاض الحاجة إلى الواسطة، واتساع المشاركة الاقتصادية، وقدرة المواطن على النجاح دون الاستناد إلى اسم عائلي نافذ.
الخاتمة
لقد حاول إبراهيم الحمدي تقليص نفوذ المشايخ من خلال بناء مؤسسات الدولة ودعم التنمية المحلية، لكنه لم يعش طويلاً لاستكمال تجربته، ولم تنتهِ الصراعات القبلية بعد رحيله.
أما دول الخليج، فإنها تمتلك اليوم من الموارد المالية والمؤسسات والتعليم والتقنية ما يتيح لها معالجة هذه القضية بوسائل قانونية واقتصادية واجتماعية أوسع.
إن المطلوب ليس إلغاء القبيلة من المجتمع، بل إنهاء قدرتها، حين تتحول إلى شبكة نفوذ، على احتكار الفرص أو التأثير في توزيع الثروة العامة.
فيمكن للمواطن أن يعتز بقبيلته ويحافظ على تاريخ أسرته، لكن مستقبله الاقتصادي والاجتماعي يجب أن تحدده كفاءته وعمله وحقوقه المتساوية مع الآخرين.
وحين تصبح المواطنة أساس الحقوق، والكفاءة أساس التوظيف، والمنافسة أساس توزيع الفرص الاقتصادية، تتحول الثروة النفطية والغازية من مصدر محتمل لتغذية العصبيات إلى أداة لبناء مجتمع خليجي أكثر عدالة وإنتاجاً وتماسكاً.
استند المقال إلى دراسة للبنك الدولي عن جمعيات التنمية المحلية في عهد الحمدي، وأبحاث منشورة في دوريات علمية عن الواسطة والعلاقات القبلية والاقتصاد، ودراسة لصندوق النقد الدولي عن القوة السوقية، ومبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بشأن شفافية العقود العامة.
المصادر والمراجع: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، التعافي الاقتصادي في اليمن؛ الموسوعة البريطانية، الأبحاث التاريخية.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment