الجزر والتجارة- جذور العلاقة بين إيران والإمارات

الجزر والتجارة… كيف رسم الإنجليز العلاقة بين إيران والإمارات؟

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – محلل اقتصاد وتسويق – الدوحة – 9 مايو 2026

حين يتحدث البعض عن العلاقة الإيرانية الإماراتية، يظنون أنها بدأت بعد الثورة الإيرانية أو بعد قيام دولة الإمارات. لكن الحقيقة أن جذور هذه العلاقة أقدم بكثير، وتعود إلى زمن كانت فيه بريطانيا هي الحاكم الفعلي للخليج، تمسك بخيوط الموانئ والبحر والسياسة، وتدير التوازن بين الساحل العربي وإيران بدقة شديدة.

في تلك المرحلة، لم تكن الإمارات دولة موحدة بعد، بل إمارات متصالحة تحت الحماية البريطانية. وكانت بريطانيا ترى الخليج شريانًا استراتيجيًا لحماية طريق الهند والتجارة العالمية، لذلك لم تكن تسمح بقيام قوة خليجية مستقلة بالكامل، ولا بانفجار مواجهة مباشرة مع إيران الشاه.

إيران آنذاك كانت تنظر إلى الخليج باعتباره امتدادًا لنفوذها التاريخي، وترى نفسها القوة الطبيعية الكبرى في المنطقة. لكنها كانت تعرف أن الوجود البريطاني يضع حدودًا لطموحها العسكري والسياسي. ولهذا اتجهت إيران إلى التغلغل الاقتصادي والتجاري بدل الصدام المباشر.

ومن هنا بدأت العلاقة الخاصة مع إمارات الساحل، خصوصًا دبي. فالتجار الإيرانيون دخلوا الأسواق والموانئ، واستقر كثير منهم في المدينة، وتحولت دبي تدريجيًا إلى مركز تجاري مفتوح يربط الخليج بإيران والهند وآسيا. كانت التجارة تتحرك بسلاسة، بينما السياسة تبقى مليئة بالحذر.

لكن خلف هذا الهدوء التجاري، كانت هناك عقدة صامتة تكبر عامًا بعد عام: الجزر الثلاث.

طنب الكبرى

طنب الصغرى

أبو موسى

هذه الجزر التابعة لرأس الخيمة والشارقة لم تكن مجرد أراضٍ صغيرة، بل مفاتيح بحرية تتحكم بحركة الملاحة قرب مضيق هرمز. وكانت إيران تعتبر أن خروج بريطانيا من الخليج فرصة تاريخية لا تُفوّت لفرض أمر واقع جديد قبل ولادة دولة الإمارات.

وحين أعلنت بريطانيا نيتها الانسحاب من الخليج نهاية الستينيات، بدأ السباق الحقيقي. الإنجليز لم يريدوا مواجهة مع إيران الشاه، الحليف الغربي القوي في مواجهة الاتحاد السوفيتي، وفي الوقت نفسه لم يريدوا انهيار مشروع الاتحاد الإماراتي الوليد.

فكان الحل البريطاني الضمني: الانسحاب بهدوء… وترك الأزمة خلفهم.

وفي عام 1971، وقبل إعلان دولة الإمارات بأيام، سيطرت إيران على الجزر بالقوة. وسقط قتلى من شرطة رأس الخيمة في طنب الكبرى، بينما جرى تفاهم جزئي حول أبو موسى وسط ظروف سياسية معقدة وضغوط دولية.

ومنذ تلك اللحظة، تشكل النموذج الذي ما زال يحكم العلاقة حتى اليوم: تجارة واسعة… وخلاف استراتيجي عميق.

الإمارات فهمت مبكرًا أن الاقتصاد يمكن أن يخفف التوتر لكنه لا يلغي الجغرافيا. وإيران فهمت أن النفوذ التجاري لا يكفي وحده لبناء الهيمنة السياسية الكاملة على الخليج.

ولهذا بقيت العلاقة بين الطرفين تتحرك دائمًا فوق خيط رفيع: شراكة اقتصادية من جهة، وصراع نفوذ صامت من جهة أخرى.

وربما كان أخطر ما تركه الإنجليز في الخليج ليس القواعد العسكرية ولا الاتفاقيات… بل “الأزمات المؤجلة” التي انفجرت لاحقًا، وظلت المنطقة تدفع ثمنها لعقود طويلة.

المصادر والمراجع: مكتبة قطر الرقمية، وثائق تاريخ الخليج؛ الموسوعة البريطانية، الأبحاث التاريخية.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟