صلاح مصر بداية إصلاح الأمة
صلاح مصر… بداية إصلاح الأمة
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – 29 سبتمبر 2026
حين نقول إن كل إصلاح في هذه الأمة يبدأ بصلاح مصر، فنحن لا نقلل من شأن أي دولة عربية أخرى، ولا نزعم أن مصر تستطيع وحدها إصلاح العالم العربي. المقصود أن التاريخ والجغرافيا وحجم السكان والثقل الثقافي والديني جعلت مصر دولةً يصعب أن يبقى ما يحدث داخلها محصورًا داخل حدودها.
مصر ليست مجرد دولة عربية كبيرة، بل كانت لعقود طويلة إحدى أهم المدارس التي تعلم فيها العرب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وتشير دراسة منشورة لدى البنك الدولي إلى أن القاهرة، إلى جانب بيروت بدرجة أقل، كانت من أهم مراكز التعليم في العالم العربي حتى منتصف القرن العشرين، وأن المعلمين والمهنيين المصريين انتشروا لاحقًا في أنحاء المنطقة، حتى إن الدراسة ربطت جانبًا من القيادة الثقافية المصرية بدورها في تعليم العالم العربي.
وهذه نقطة شديدة الأهمية. فمصر لم تكن تصدّر سلعة فقط، وإنما صدّرت المعلم والطبيب والمهندس والقاضي والأستاذ الجامعي والكاتب والفنان. أجيال كاملة في دول عربية مختلفة درست على أيدي مصريين، وقرأت كتبًا مصرية، وشاهدت السينما والمسرح المصريين، واستمعت إلى الإذاعة المصرية. لذلك كانت الأفكار التي تنجح في القاهرة تجد طريقها، بدرجات متفاوتة، إلى مجتمعات عربية أخرى.
حتى مشروع التعليم الحديث في مصر له جذور مبكرة؛ فقد أنشأ محمد علي في القرن التاسع عشر مدارس للهندسة والطب واللغات، ثم توسعت المؤسسات التعليمية لاحقًا، وأصبحت جامعة القاهرة مؤسسة حكومية عام 1925، وتبعتها جامعات أخرى.
ولهذا فإن إصلاح مصر لا ينبغي اختزاله في السياسة أو تغيير الحكومات. الإصلاح الذي يمكن أن يمتد أثره إلى المنطقة يبدأ من الإنسان المصري نفسه: مدرسة جيدة، جامعة تنتج المعرفة، إدارة عامة فعالة، اقتصاد يفتح المجال للإنتاج والعمل، ومؤسسات تسمح للكفاءة بأن تتقدم.
لكن من الضروري أيضًا ألا نحوّل التاريخ إلى مبالغة. فمصر اليوم تواجه تحدياتها الخاصة، ولا يمكن افتراض أن كل ما يحدث فيها سينتقل تلقائيًا إلى بقية العرب. كما أن مراكز القوة الاقتصادية والمعرفية العربية أصبحت أكثر تعددًا مما كانت عليه قبل نصف قرن. والإصلاح في السعودية والخليج والمغرب والعراق وبلاد الشام له مساراته وظروفه الخاصة.
ومع ذلك تبقى لمصر خاصية يصعب تجاهلها: إذا تحرك مجتمع بهذا الحجم نحو تعليم أفضل وإنتاج أعلى ومؤسسات أكثر كفاءة، فإن أثر ذلك لا يتوقف عند الحدود المصرية.
والمطلوب ليس أن تعود مصر لتعيش على أمجاد الماضي، بل أن تستعيد قدرتها على صناعة المستقبل. فمصر التي يحتاجها العرب ليست مصر الشعارات، وإنما مصر المدرسة والجامعة والمصنع والكتاب والبحث العلمي والطبيب والمهندس والمعلم.
لقد أثبت التاريخ أن قوة مصر الثقافية لم تأتِ فقط من حجمها، وإنما من قدرتها على إنتاج الإنسان الذي حمل علمه وخبرته إلى الآخرين.
ومن هنا يمكن تلخيص الفكرة في عبارة واحدة:
إذا صلحت مصر، فلن تصلح الأمة كلها تلقائيًا، ولكن سيكون إصلاح الأمة العربية أسهل كثيرًا؛ لأن صلاح مصر يضيف إلى العالم العربي قوة بشرية وثقافية وعلمية لا يمكن تعويضها بسهولة.
صلاح مصر ليس إصلاح دولة واحدة فحسب؛ إنه استعادة أحد المحركات الكبرى للعالم العربي.
المصادر والمراجع: الأمم المتحدة، ميثاق الأمم المتحدة؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment