لماذا يصعب تثبيت مرشد جديد لإيران
لماذا يصعب تثبيت مرشد جديد لإيران؟
تحليل سياسي واستراتيجي
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – 28 يوليو 2026
على مدى ما يقارب نصف قرن، بُني النظام السياسي في إيران حول شخصية المرشد الأعلى، الذي لا يمثل مجرد قائد ديني، بل يشغل موقع القائد الأعلى للقوات المسلحة، وصاحب الكلمة الأخيرة في الأمن القومي والسياسة الخارجية والبرنامج النووي، والمرجع الذي يحسم الخلافات بين مؤسسات الدولة. ولهذا فإن غياب القيادة المركزية أو ضعفها لا يعني مجرد شغور منصب، بل يعني اهتزاز الآلية التي كانت توحد القرار داخل الجمهورية الإسلامية.
لهذا السبب، فإن تعيين مرشد جديد لا يشبه انتخاب رئيس أو تعيين رئيس وزراء، بل هو إعادة بناء لمركز السلطة الذي يدور حوله النظام بأكمله.
أول العقبات تتمثل في أن المرشد يحتاج إلى أكثر من الشرعية الدينية. فمن الناحية النظرية، يختاره مجلس خبراء القيادة، لكن من الناحية العملية يحتاج أيضًا إلى قبول المؤسسة الأمنية والعسكرية، وفي مقدمتها الحرس الثوري. فهذه المؤسسة أصبحت خلال العقود الماضية لاعبًا رئيسيًا في حماية النظام وإدارة الملفات الاستراتيجية، وأي مرشد لا يحظى بثقتها سيجد صعوبة في ممارسة سلطاته.
العقبة الثانية هي أن القيادة الإيرانية تواجه اليوم بيئة مختلفة عن تلك التي رافقت انتقال السلطة عام 1989. فالضغوط العسكرية، والأزمات الاقتصادية، والتوترات الإقليمية، جعلت مراكز القوة أكثر حرصًا على الحفاظ على نفوذها. وفي مثل هذه الظروف، يصبح التوافق على قائد واحد أكثر تعقيدًا، لأن كل مؤسسة تسعى إلى ضمان مصالحها ودورها في المرحلة المقبلة.
أما العقبة الثالثة فتتعلق بالشرعية الشخصية. فقد أمضى علي خامنئي أكثر من ثلاثة عقود في بناء شبكة واسعة من العلاقات داخل المؤسسة الدينية والعسكرية والأمنية. هذه المكانة لا تنتقل تلقائيًا إلى أي خليفة، مهما كانت صفته أو موقعه، بل تحتاج إلى سنوات من ترسيخ النفوذ واكتساب الثقة.
كما أن فكرة انتقال المنصب داخل العائلة قد تثير تحفظات لدى بعض رجال الدين والنخب السياسية، لأن الجمهورية الإسلامية قامت نظريًا على مبدأ الاختيار من قبل مجلس الخبراء، لا على مبدأ التوريث السياسي. ولذلك فإن أي انطباع بوجود توريث قد يثير نقاشات داخلية حول شرعية القيادة الجديدة.
وفي الوقت نفسه، لا تبدو مصلحة الحرس الثوري في وجود مرشد ضعيف قادرة على فرض قراراتها دون توافق، ولا في وجود مرشد قوي قد يعيد تقليص نفوذها. ولهذا قد يكون الخيار الأكثر ملاءمة لبعض مراكز القوة هو استمرار نموذج القيادة الجماعية، حيث تتوزع القرارات بين المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية، مع بقاء منصب المرشد رمزًا لوحدة النظام.
وتزداد هذه الصعوبة إذا تزامنت عملية انتقال القيادة مع تحديات أمنية أو اقتصادية. ففي أوقات الأزمات، تميل الدول إلى تأجيل إعادة توزيع السلطة حتى تستقر الأوضاع، لأن أي خلاف داخلي قد تستغله الأطراف الخارجية أو المعارضة الداخلية.
لهذا يرى عدد من الباحثين أن التحدي الحقيقي أمام إيران اليوم لا يقتصر على اختيار اسم المرشد، بل يتمثل في إعادة بناء مركز قيادة يحظى بقبول المؤسسة الدينية، والحرس الثوري، والأجهزة الأمنية، ومؤسسات الدولة في آن واحد. وإذا تعذر تحقيق هذا التوافق، فقد يستمر النظام في الاعتماد على قيادة جماعية تتخذ القرارات بالتوافق بين مراكز القوة المختلفة، بدلًا من العودة سريعًا إلى نموذج المرشد الذي يحتكر القرار.
إن مستقبل النظام الإيراني لن يتحدد فقط بمن يشغل منصب المرشد، بل بقدرة القيادة الجديدة على استعادة وحدة القرار داخل الدولة. فإذا نجحت في ذلك، قد تستعيد الجمهورية الإسلامية قدرًا من تماسكها المؤسسي. أما إذا استمر تعدد مراكز القرار، فإن إيران قد تدخل مرحلة طويلة تتراجع فيها مركزية السلطة، ويصبح الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية أكثر تأثيرًا في رسم سياسات الدولة من أي وقت مضى.
وهكذا، فإن السؤال الأهم اليوم ليس: من سيكون المرشد القادم؟ بل: هل تستطيع إيران إعادة إنتاج مرشد يمتلك المكانة والسلطة اللتين تمتع بهما أسلافه، أم أن النظام دخل بالفعل مرحلة جديدة تقوم على توزيع السلطة بين عدة مراكز نفوذ؟ والإجابة عن هذا السؤال قد تحدد شكل الجمهورية الإسلامية لعقود مقبلة.
المصادر والمراجع: الأمم المتحدة، ميثاق الأمم المتحدة؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment