الأنابيب وحماية حقل الشمال من توقف الإنتاج
تصدير الغاز بالأنابيب ضرورة اقتصادية وجيولوجية لحماية حقل الشمال من مخاطر توقف الإنتاج
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – 18 أكتوبر 2026
إن أهمية إنشاء شبكة أنابيب لتصدير الغاز القطري إلى دول الخليج والشرق الأوسط لم تعد تقتصر على تعويض صادرات الغاز المسال التي تعطلها أزمة مضيق هرمز، بل تمتد إلى مسألة أكثر أهمية تتعلق بالمحافظة على القيمة الاقتصادية والقدرة الإنتاجية المستقبلية لحقل الشمال، الذي يشترك مع إيران في مكمن جيولوجي واحد.
فإذا استمر تعذر تصدير الغاز القطري عبر هرمز سنوات طويلة، واضطرت قطر إلى تخفيض إنتاج حقل الشمال، بينما واصلت إيران استخراج الغاز من حقل بارس الجنوبي لتلبية احتياجاتها المحلية، فإن اختلاف معدلات الإنتاج قد يؤثر في توزيع الضغط داخل أجزاء المكمن المتصلة بين الجانبين.
وهذه ليست مجرد فرضية سياسية، وإنما مسألة تناولتها دراسات علمية في هندسة المكامن واقتصاديات الموارد الطبيعية المشتركة. لكنها لا تعني أن انتقال الغاز من الجانب القطري إلى الإيراني قد ثبت حدوثه بكميات محددة، أو أن الاستمرار في الإنتاج القطري هو الحل الصحيح في جميع الظروف.
حقل واحد وإدارتان مختلفتان
يمتد حقل الشمال وبارس الجنوبي على مساحة تقارب 9700 كيلومتر مربع، منها نحو 6000 كيلومتر مربع في الجانب القطري، مقابل 3700 كيلومتر مربع في الجانب الإيراني.
وقد أكدت دراسات جيولوجية منشورة في مجلة Comptes Rendus Géoscience عام 2011 أن طبقات المكمن تتكون أساسًا من صخور كربوناتية ضمن تكوينات دالان وكانغان، وتختلف فيها المسامية والنفاذية ودرجة اتصال الطبقات.
وهذه الخصائص مهمة للغاية، لأن الغاز الموجود تحت الأرض يتحرك استجابة لاختلافات الضغط، ولكن حركته تتأثر بخصائص الصخور والحواجز الجيولوجية، وليس بالحدود السياسية المرسومة على سطح البحر.
ولذلك لا يمكن افتراض انتقال الغاز بحرية بين جميع أجزاء الحقل، كما لا يمكن استبعاد انتقاله بين المناطق المتصلة دون إجراء دراسات هندسية تفصيلية.
ماذا تقول الدراسات العلمية؟
في عام 2014، قدم الباحث باراغ بانديوبادياي، من قسم هندسة موارد الطاقة بجامعة ستانفورد، دراسة بعنوان «استغلال الموارد الهيدروكربونية المشتركة: تحليل باستخدام نظرية الألعاب».
تناولت الدراسة حقل الشمال وبارس الجنوبي تحديدًا، وخلص تحليلها إلى أن الاحتياطيات القابلة للاستخراج فعليًا لا تعتمد على التقديرات الجيولوجية الثابتة وحدها، وإنما تتأثر أيضًا بتوقيت تطوير الحقل ومعدلات الإنتاج لدى كل طرف.
وأوضحت الدراسة أن الإنتاج المبكر والكثيف من أحد جانبي المكمن المشترك يمكن أن يغير ظروف الضغط والاستخراج في الجانب الآخر، بما يؤثر على الجدوى الاقتصادية المستقبلية للإنتاج.
وفي عام 2023، نشر الباحثان جلال دهناوي ويوري يغوروف دراسة بعنوان «مشكلة المورد المشترك: حقل بارس الجنوبي وحقل الشمال»، في المجلة الإيرانية للاقتصاد، المجلد 27، العدد الثاني، الصفحات 619–654.
وقد تناولت الدراسة العلاقة بين استراتيجيات الإنتاج القطرية والإيرانية، وناقشت الآثار الاقتصادية للاستخراج غير المنسق، بما فيها احتمالات انتقال الغاز نتيجة اختلاف الضغط وارتفاع تكاليف الإنتاج المستقبلية.
وخلص النموذج الاقتصادي إلى أن المنافسة على تسريع الاستخراج قد تضر بالقيمة الاقتصادية الإجمالية للمكمن، وأن التنسيق في إدارته يمكن أن يحقق فوائد طويلة الأجل للطرفين.
ومن المهم إدراك أن هذه الدراسات تقدم نماذج وتحليلات علمية للمخاطر المحتملة، وليست قياسات ميدانية تثبت مقدار الغاز الذي انتقل فعلًا بين البلدين.
ماذا يحدث إذا توقف الإنتاج القطري؟
إذا اضطر الاقتصاد القطري إلى خفض استخراج الغاز نتيجة توقف صادرات الغاز المسال، بينما استمرت إيران في الإنتاج، فقد تنشأ اختلافات متزايدة في الضغط بين أجزاء المكمن.
وفي المناطق التي تسمح خصائصها الجيولوجية بالاتصال، يمكن أن يتحرك الغاز نحو مناطق الضغط المنخفض الناتجة عن الاستخراج.
وقد يترتب على ذلك تغير في الكميات التي يستطيع كل جانب استخراجها اقتصاديًا خلال السنوات المقبلة، إلى جانب احتمال تأثر الضغط والإنتاجية في بعض المناطق.
لكن النتيجة ليست حتمية؛ فتخفيض الإنتاج القطري يمكن أن يساعد أيضًا على المحافظة على الضغط داخل الجانب القطري، ويقلل الاستنزاف المحلي. ولهذا لا يجوز اعتبار زيادة الإنتاج وسيلة مضمونة لحماية الحقل.
وتزداد أهمية المسألة إذا افترضنا استمرار أزمة هرمز سبع سنوات، لأن قرارات الإنتاج خلال هذه الفترة قد يكون لها تأثير يتجاوز مدة الأزمة نفسها.
السابقة القطرية في حماية المكمن
في عام 2005، اتخذت قطر قرارًا بتجميد مشروعات التطوير الجديدة في حقل الشمال، بهدف دراسة تأثير التوسع السريع في الإنتاج على المكمن وضمان استدامة استغلاله.
واستمر هذا التجميد حتى عام 2017، عندما استؤنف تطوير مشروعات جديدة بعد استكمال الدراسات اللازمة.
والجدير بالملاحظة أن ذلك القرار لم يكن وقفًا كاملًا لإنتاج الحقل، بل تعليقًا للتوسع في مشروعات جديدة، مع استمرار الإنتاج من المنشآت القائمة.
وتؤكد هذه السابقة أن إدارة المكمن على أساس علمي، وليس على أساس تعظيم الإنتاج وحده، كانت جزءًا من السياسة الفنية القطرية لسنوات طويلة.
لماذا تصبح الأنابيب مهمة لحماية الحقل؟
إن إنشاء أنابيب لتصدير الغاز إلى السعودية والكويت والإمارات والبحرين، ثم إلى أسواق الأردن ومصر وتركيا، يوفر منافذ إضافية تستطيع استيعاب إنتاج قطري منتظم حتى لو تعذر وصول ناقلات الغاز المسال إلى الأسواق العالمية.
وهنا تظهر فائدة مزدوجة؛ فمن الناحية الاقتصادية يمكن أن تستمر الإيرادات والاستثمارات وفرص العمل، ومن الناحية الهندسية يصبح لدى قطر مجال أوسع لاختيار معدلات إنتاج تتوافق مع إدارة المكمن بدل الاضطرار إلى خفض الإنتاج بسبب انعدام منافذ البيع.
ويقدم مشروع دولفين نموذجًا عمليًا قائمًا، إذ ينقل نحو ملياري قدم مكعبة يوميًا من الغاز القطري إلى الإمارات وعُمان، عبر أنبوب بحري لا يحتاج إلى عبور مضيق هرمز.
وتبلغ الطاقة التصميمية للأنبوب 3.2 مليار قدم مكعبة يوميًا، لكن الاستفادة من الطاقة الإضافية تحتاج إلى اتفاق تجاري جديد، وقد تستلزم تعديلات تشغيلية أو استثمارات إضافية.
وتسمح هذه التجربة بدراسة توسيع شبكة إقليمية تربط الإنتاج القطري بالطلب الصناعي والكهربائي في دول الجوار.
لكن الأنابيب لا تحمي المكمن بذاتها، ولا تمنع انتقال الغاز تحت الأرض. إنما توفر سوقًا تسمح باستمرار الإنتاج عندما يكون هذا الاستمرار مبررًا هندسيًا واقتصاديًا.
كيف نحدد كمية الإنتاج المطلوبة؟
أرى ضرورة إعداد دراسة مستقلة مشتركة بين خبراء هندسة المكامن واقتصاديات الغاز، لتحديد مستويات الإنتاج الملائمة خلال السنوات السبع المفترضة.
ويجب أن تعتمد الدراسة على قياسات الضغط، وخصائص الطبقات الجيولوجية، ومواقع الآبار، وتاريخ الإنتاج، ونماذج محاكاة تأخذ في الاعتبار مستويات مختلفة للإنتاج الإيراني المتوقع.
وتُقارن ثلاثة احتمالات: تخفيض الإنتاج القطري إلى الحد اللازم للاستهلاك المحلي، والاستمرار بمستوى متوسط تدعمه عقود الأنابيب، والعودة إلى مستويات مرتفعة بعد استئناف صادرات الغاز المسال.
ثم تُحسب لكل احتمال الإيرادات وتكاليف الاستخراج والضغط الإضافي والاحتياطيات القابلة للاستخراج مستقبلًا، بما يسمح باختيار سياسة تحقق أفضل قيمة اقتصادية طويلة الأجل.
وينبغي ألا يكون الهدف مجاراة معدلات الإنتاج الإيرانية تلقائيًا، وإنما حماية القيمة المستقبلية للثروة القطرية وفق نتائج المحاكاة العلمية.
ويمكن أيضًا بحث تبادل البيانات الفنية المتعلقة بإدارة المكمن المشترك مع الجانب الإيراني، إذا سمحت الظروف، مع المحافظة على استقلال الحقوق الاقتصادية والإنتاجية لكل دولة.
الخاتمة
إن إغلاق مضيق هرمز لا يهدد إيرادات صادرات الغاز الحالية وحدها، بل يفرض تساؤلات عن أفضل طريقة لإدارة حقل الشمال خلال سنوات تعذر التصدير.
وتبين الدراسات أن اختلاف معدلات الاستخراج داخل المكامن المشتركة قد يؤثر في الضغط والعوائد المستقبلية، وأن القرارات الإنتاجية تحتاج إلى موازنة دقيقة بين الإيرادات الحالية والمحافظة على القدرة الإنتاجية طويلة الأجل.
ومن هنا فإن الاستثمار في خطوط الأنابيب لا ينبغي تقييمه على أساس تكاليف الإنشاء والنقل والأرباح التجارية فقط، بل يجب إدخال القيمة الاقتصادية لإتاحة استمرار إنتاج مدروس من حقل الشمال ضمن حسابات الجدوى.
فإذا أثبتت الدراسات أن استمرار مستوى معين من الإنتاج يحد من مخاطر الاختلال بين الجانبين، فإن تأمين أسواق لهذا الإنتاج عبر الأنابيب يصبح جزءًا من حماية المصالح الاقتصادية طويلة الأجل.
أما إذا أثبتت أن التخفيض المؤقت للإنتاج يحافظ على المكمن بصورة أفضل، فيجب احترام تلك النتيجة وعدم التوسع في الاستخراج لمجرد توافر خطوط النقل.
إن حماية ثروة حقل الشمال لا تعني استخراج أكبر كمية من الغاز اليوم، بل المحافظة على أكبر قيمة اقتصادية قابلة للتحقق من هذا المورد خلال العقود المقبلة.
ولهذا فإن إعادة هيكلة صادرات الغاز نحو الأنابيب تمثل فرصة تجمع بين تنويع الأسواق، وتنشيط الاقتصاد، وتحسين القدرة على إدارة الإنتاج، والمحافظة على حقوق الأجيال القادمة في ثروة لا يمكن تعويضها بعد استخراجها.
المراجع العلمية والوثائق المعتمدة
1\. دراسة جامعة ستانفورد، 2014: Parag Bandyopadhyay، Exploitation of Shared Hydrocarbon Resources: A Game Theory Analysis. تتناول أثر توقيت الإنتاج واستراتيجيات الاستخراج في حقل الشمال وبارس الجنوبي. [الاطلاع على الدراسة](https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=3941278&utm_source=chatgpt.com)
2\. المجلة الإيرانية للاقتصاد، 2023: Jalal Dehnavi & Yuri Yegorov، Common Pool Problem: South Pars–North Dome Gas Field، المجلد 27، العدد 2، الصفحات 619–654. وهي دراسة أكاديمية لنمذجة الآثار الاقتصادية للإنتاج من المكمن المشترك. DOI: 10.22059/ier.2021.83919.
3\. مجلة Comptes Rendus Géoscience، 2011: Tavakoli, Rahimpour-Bonab & Esrafili-Dizaji، Diagenetic Controlled Reservoir Quality of South Pars Gas Field. دراسة للتركيب الجيولوجي والمسامية والنفاذية في طبقات المكمن. DOI: 10.1016/j.crte.2010.10.004.
4\. مجلة Journal of Natural Gas Science and Engineering، 2017: Bahabadi, Ahmadi & Bazzi، Decision Making for Choosing the Optimum Production Scenario for a Sector Model of South Pars Gas Field. تشرح اختيار معدلات الإنتاج على أساس المعايير الهندسية والعوائد الاقتصادية. DOI: 10.1016/j.jngse.2017.08.018.
5\. وثائق قطر للطاقة وشركة دولفين: المعلومات الرسمية عن حقل الشمال ومشروعات الغاز المنقول بالأنابيب والطاقة التصميمية لشبكة دولفين.
6\. رويترز، 4 أبريل 2017: توثيق قرار استئناف تطوير حقل الشمال بعد تجميد المشروعات الجديدة منذ عام 2005 لدراسة أثر التوسع في الإنتاج.
المصادر والمراجع: وكالة الطاقة الدولية، تقرير الغاز 2025؛ إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ وكالة الطاقة الدولية، آفاق الطاقة العالمية 2025.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment