خلاف عُمان وترامب حول هرمز

لماذا غضب ترامب من عُمان؟ خلاف هرمز الذي حوّل الوسيط إلى هدف للتهديد

تحليل سياسي – إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع

الدوحة – 28 أغسطس 2026

لم يكن تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقصف سلطنة عُمان زلة لسان عابرة، كما لم يكن سببه أن مسقط تحولت فجأة إلى دولة معادية للولايات المتحدة. ما حدث هو أن الموقف العُماني من مضيق هرمز اصطدم مباشرة بالمشروع الذي تحاول إدارة ترامب فرضه بعد أشهر من الحرب مع إيران.

قال ترامب يوم 17 أغسطس 2026، في تصريح نقلته وسائل إعلام أمريكية ودولية، إنه إذا «وقفت عُمان في طريقنا» فإن الولايات المتحدة ستقصفها بشدة. ثم أضاف في تصريح من المكتب البيضاوي أن العُمانيين «لم يتصرفوا بصورة جيدة»، وأن واشنطن تستطيع التعامل معهم بسهولة.

هذه لغة غير مسبوقة تجاه دولة خليجية ترتبط بالولايات المتحدة بعلاقات سياسية وعسكرية وتجارية قديمة. فما الموقف العُماني الذي أغضب ترامب إلى هذه الدرجة؟

أولًا: عُمان رفضت تحويل هرمز إلى مضيق أمريكي

تريد إدارة ترامب فرض واقع جديد في مضيق هرمز يقوم على أن الولايات المتحدة هي القوة العسكرية صاحبة القرار النهائي في الممر، وأن حماية السفن وفتح طرق الملاحة يجب أن تتم تحت قيادتها وشروطها.

أما عُمان فتمسكت بأن المضيق ممر دولي يقع بين دولتين مشاطئتين هما عُمان وإيران، وأن تنظيم الملاحة فيه لا يمكن أن يتحول إلى قرار أمريكي منفرد. وهذا الموقف لا يعني تأييد سياسات إيران، بل الدفاع عن السيادة العُمانية وعن الوضع القانوني للمضيق.

وفي يوليو 2026 أعلنت عُمان أمام المنظمة البحرية الدولية أن حق المرور العابر في المضائق الدولية مكفول بموجب القانون الدولي، وأنها لا تؤيد فرض رسوم إلزامية على السفن العابرة.

بهذا الموقف رفضت مسقط عمليًا أمرين معًا: احتكار إيران للمضيق، واحتكار الولايات المتحدة لإدارته بالقوة العسكرية.

ثانيًا: عُمان تفاوضت مع إيران بصورة مستقلة

لم تنتظر مسقط موافقة واشنطن، بل دخلت في مفاوضات مباشرة مع طهران للوصول إلى ترتيبات تعيد حركة السفن وتمنع تحول المضيق إلى ساحة حرب دائمة.

كان الموقف العُماني مبنيًا على حقيقة جغرافية لا يمكن تجاهلها: عُمان وإيران هما الدولتان المشاطئتان للمضيق، وقد سبق أن اقترحتا معًا نظام فصل حركة السفن الذي اعتمدته المنظمة البحرية الدولية عام 1968.

وبحسب التقارير المنشورة، بحثت المفاوضات الأخيرة توزيع خطوط الملاحة بين الجانبين. كانت السفن التجارية الداخلة إلى الخليج ستعبر في المياه الإيرانية، بينما تستخدم السفن الخارجة مسارًا يمر جزئيًا في المياه الإيرانية وجزئيًا في المياه العُمانية.

هذا الترتيب أغضب واشنطن لأنه يمنح إيران دورًا معترفًا به في إدارة حركة السفن، في وقت تريد فيه إدارة ترامب إخضاعها اقتصاديًا وعسكريًا ومنعها من الحصول على أي مكسب سياسي بعد الحرب.

ثالثًا: الخلاف حول الرسوم

اقترحت إيران فرض رسوم تتراوح، وفق تقرير لوكالة رويترز، بين 5% و7% من قيمة شحنات السفن المارة في المضيق. وقد رفضت دول الخليج هذا الطرح، لأنه يحول المضيق الدولي إلى مصدر دخل إجباري لإيران ويمنح طهران سلطة مالية على صادرات الطاقة الخليجية.

حاولت عُمان إيجاد حل وسط. فقد قدمت خطة مدعومة من دول خليجية تقترح مساهمات طوعية من شركات الشحن، تستخدم لتمويل خدمات سلامة الملاحة والبحث والإنقاذ وحماية البيئة البحرية. وتحدثت تقارير عن نسبة تقارب 3% في أثناء المفاوضات، مع بقاء الخلاف حول طبيعة الدفع وإلزاميته.

لكن واشنطن رفضت مبدأ الرسوم من أساسه، سواء كانت إيرانية أم مشتركة أم طوعية؛ لأنها رأت أن السماح بأي مقابل مالي قد يشكل اعترافًا بحق إيران في إدارة المضيق أو تحصيل عائدات منه.

الموقف العُماني لم يمنح إيران كل ما طلبته، لكنه لم يتبنَّ الموقف الأمريكي أيضًا. وقد أغضبت هذه المنطقة الوسطى ترامب؛ لأنه أراد من مسقط أن تقف بصورة كاملة إلى جانب واشنطن، لا أن تبحث عن تسوية تحافظ على دور إيران وعُمان معًا.

رابعًا: عُمان رفضت أن تكون وسيطًا تابعًا

تاريخيًا، قامت السياسة العُمانية على التحدث مع جميع الأطراف، بما فيها الدول التي لا تتحدث مباشرة بعضها مع بعض. وقد استضافت مسقط قنوات اتصال سرية وعلنية بين واشنطن وطهران، وأسهمت في تسويات إقليمية متعددة.

لكن إدارة ترامب أرادت، على ما يبدو، أن تستخدم عُمان قناة لنقل الشروط الأمريكية إلى إيران. أما مسقط فتصرفت بوصفها وسيطًا مستقلًا يحاول إنتاج تسوية مقبولة من الطرفين.

عندما تفاوضت عُمان مع إيران على صيغة إقليمية للمضيق، لم تعد مجرد ناقل للرسائل الأمريكية. أصبحت شريكًا في صياغة الحل. وهنا ظهر جوهر غضب ترامب: مسقط لم تقبل أن يكون دورها تنفيذ الخطة الأمريكية، بل تمسكت بحقها في اقتراح خطة مختلفة.

خامسًا: مسألة مرور السفن العسكرية

كشفت وكالة أسوشيتد برس في 26 أغسطس أن التفاهم الذي يجري التفاوض عليه بين إيران وعُمان قد يستبعد السفن العسكرية من المرور عبر المضيق. ونسبت الوكالة هذا الإعلان إلى نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي.

لكن هذه النقطة تحتاج إلى دقة شديدة: الحديث عن منع السفن العسكرية صدر عن مسؤول إيراني، ولم يصدر حتى ذلك التاريخ تأكيد عُماني نهائي بأن مسقط وافقت على حظر شامل لمرورها.

ومع ذلك، فإن مجرد مناقشة ترتيبات قد تقيد وجود السفن الحربية يصطدم مباشرة بالمصالح الأمريكية. فالولايات المتحدة تعتمد على حرية حركة قواتها البحرية بين بحر العرب والخليج، كما تتمتع منذ اتفاق 2019 بإمكانية الوصول إلى مرافق وموانئ عُمانية، خصوصًا الدقم وصلالة.

لذلك لا يمكن الجزم بأن عُمان قررت إغلاق المضيق أمام البحرية الأمريكية، لكن واشنطن تخشى أن تؤدي التسوية العُمانية–الإيرانية إلى منح طهران قدرة سياسية أو عملية على الاعتراض على مرور القطع العسكرية.

سادسًا: فشل التسوية الأمريكية مع إيران

وقّعت الولايات المتحدة وإيران في 17 يونيو مذكرة تفاهم منحت الطرفين ستين يومًا للتوصل إلى اتفاق أوسع بشأن الحرب والبرنامج النووي والعقوبات. لكن الاتفاق انهار سريعًا بسبب الخلاف حول مضيق هرمز.

قالت إيران إن البند الخامس من المذكرة يمنحها حقًا في إدارة المضيق، بينما رفضت واشنطن هذا التفسير. واستؤنفت العمليات العدائية، وأعلن ترامب في 7 يوليو أن التفاهم أصبح منتهيًا.

وعندما اقتربت مهلة الستين يومًا من نهايتها من دون اتفاق، كانت عُمان تتحرك في مسار مستقل مع إيران. وهكذا بدت مسقط، في نظر ترامب، كأنها تبني ترتيبًا إقليميًا خارج الإطار الأمريكي، وتمنح إيران مخرجًا تفاوضيًا بدل إجبارها على الاستسلام للشروط الأمريكية.

لهذا جاء تهديد 17 أغسطس في يوم انتهاء المهلة تقريبًا. فقد كان غضب ترامب موجهًا إلى إيران، لكنه امتد إلى الوسيط العُماني عندما اكتشف أن الوسيط لا يتبنى شروطه كاملة.

هل أصبحت عُمان عدوًا لأمريكا؟

الجواب: لا. لم تصدر الولايات المتحدة قرارًا يصنف سلطنة عُمان دولة معادية، ولم تقطع العلاقات الدبلوماسية أو تلغِ اتفاقيات التعاون معها.

وفي يناير 2026 أكد الحوار الاستراتيجي الثالث بين البلدين قوة الشراكة الأمريكية–العُمانية، التي تعد من أقدم علاقات واشنطن في الشرق الأوسط. كما لا تزال اتفاقية التجارة الحرة والتفاهمات الأمنية والعسكرية قائمة.

لكن تهديد ترامب لا يجوز التقليل من خطورته. عندما يهدد رئيس الولايات المتحدة بقصف دولة شريكة لأنها اتخذت موقفًا تفاوضيًا مستقلًا، فهذا يعني أن العلاقة دخلت أزمة سياسية حقيقية، حتى لو لم تتحول رسميًا إلى عداوة.

الخلاصة

الموقف العُماني الذي أغضب ترامب يتلخص في خمس نقاط: رفض السيطرة الأمريكية المنفردة على هرمز، والتفاوض المباشر مع إيران، والتمسك بدور الدول المشاطئة، وتقديم آلية إقليمية لسلامة الملاحة، ورفض التحول إلى مجرد ناقل للشروط الأمريكية.

عُمان لم تقف بالكامل مع إيران، فقد رفضت الرسوم الإجبارية والسيطرة الإيرانية المنفردة. لكنها لم تقف بالكامل مع واشنطن أيضًا. اختارت الدفاع عن موقعها الجغرافي وسيادتها ودورها التاريخي بوصفها وسيطًا مستقلًا.

وهنا وقع الصدام: ترامب يريد حليفًا ينفذ، بينما عُمان تريد شراكة تسمح لها باتخاذ قرارها. لذلك لم يكن غضبه بسبب عداء عُماني لأمريكا، بل لأن مسقط رفضت أن تتنازل عن أوراقها في أخطر ممر بحري في العالم.

المصادر:

1. وكالة رويترز، 17 أغسطس 2026: تهديد ترامب بقصف عُمان وانهيار مذكرة التفاهم مع إيران.

2. وكالة رويترز، 28–29 يوليو 2026: تفاصيل الخطة العُمانية المدعومة خليجيًا والمساهمات الطوعية.

3. وكالة رويترز، 5–6 أغسطس 2026: الخلاف حول الرسوم ونسبتها المقترحة.

4. وكالة أسوشيتد برس، 26 أغسطس 2026: تفاصيل المسارات المقترحة وتصريحات إيران عن السفن العسكرية.

5. المنظمة البحرية الدولية: نظام فصل حركة السفن في هرمز المعتمد منذ عام 1968.

6. وزارة الخارجية الأمريكية، يناير 2026: بيان الحوار الاستراتيجي الثالث بين الولايات المتحدة وعُمان.

7. وزارة الخارجية الأمريكية: اتفاق الإطار الاستراتيجي لعام 2019 المتعلق بالوصول إلى الدقم وصلالة.

8. اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، المواد 37–44 الخاصة بحق المرور العابر في المضائق الدولية.

المصادر والمراجع: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ الأمم المتحدة، اتفاقية قانون البحار (الأحكام المتعلقة بالمضائق)؛ الأونكتاد، مراجعة النقل البحري 2025.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟