لو رأى رسول الله ﷺ عالمنا اليوم

لو رأى رسول الله ﷺ عالمنا اليوم

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع

الدوحة – 4 سبتمبر 2026

لا يستطيع أحد أن يجزم بما سيقوله رسول الله ﷺ أو يصف مشاعره بالتفصيل؛ فهذا من الغيب، ولا يجوز أن نضع على لسانه كلامًا لم يقله. كما أن العقيدة الإسلامية لا تقول إن النبي محمدًا ﷺ سيعود إلى الدنيا قبل القيامة. لكن يمكننا، على سبيل التأمل الأدبي، أن نتساءل: كيف سيقيّم واقعنا لو شاهده، مستندين إلى القرآن وسيرته وتعاليمه الثابتة؟

من المرجح أنه سيفرح بانتشار الإسلام، وكثرة المساجد، وسهولة الوصول إلى القرآن والعلم، وبالأطباء والمعلمين والمؤسسات الخيرية التي تخدم الناس. وقد يعجبه أن يستطيع الإنسان اليوم إيصال كلمة نافعة إلى ملايين البشر في لحظات.

لكنه ربما سيحزن بشدة عندما يرى الدماء التي تُسفك باسم الدين، والحروب بين المسلمين، والظلم الواقع على الضعفاء، وانتشار الفقر بجوار الثروات الهائلة. فقد قال ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، وقال في خطبة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام».

وسيتألم عندما يرى أن بعض المسلمين اهتموا بمظهر التدين، لكنهم أهملوا الصدق والأمانة والرحمة والعدل. وربما يسألنا بأفعاله وتعاليمه: لماذا امتلأت المساجد، بينما ما زالت الخصومات والغيبة والغش وأكل حقوق الناس منتشرة؟ فالرسالة التي جاء بها لم تكن عباداتٍ منفصلة عن الحياة، بل أخلاقًا وعدلًا ورحمةً أيضًا.

وقد يحزن من تفكك بعض الأسر، وعقوق الوالدين، وإهمال الأبناء، وتحول وسائل التواصل إلى ساحات للإهانة والتشهير ونشر الأكاذيب. وسيذكّرنا بأن قوة الإنسان ليست في الصراخ والانتصار للنفس، بل كما قال ﷺ: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».

وربما يكون أكثر ما يؤلمه أن المسلمين يرفعون اسمه ويكثرون من الصلاة عليه، ثم يتجاهل بعضهم منهجه في الرحمة. لقد وصفه الله بقوله: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، فلا ينسجم الانتساب إليه مع القسوة أو العنصرية أو احتقار المختلفين.

ولو أردنا تلخيص الرسالة التي يمكن استنباطها من سنته لعصرنا، فلن تكون كلمات جديدة ننسبها إليه، بل دعوة للعودة إلى ما قاله بالفعل:

اعبدوا الله، ولا تجعلوا الدين وسيلة للسلطة أو الكراهية.

احفظوا الدماء والأموال والأعراض.

انصروا المظلوم، ولو كان مخالفًا لكم.

ارحموا الأطفال والنساء وكبار السن والضعفاء.

اطلبوا العلم، واستخدموا التقنية في البناء، لا في نشر الفتن.

أصلحوا أخلاقكم قبل أن تحاكموا أخلاق الآخرين.

لا تجعلوا اختلاف المذاهب والأعراق سببًا للعداوة، بل دافعًا إلى دراسة الأفكار المنحرفة ومناقشتها وتصحيحها بالحكمة والموعظة الحسنة، والحوار القائم على العلم والعدل، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

تذكروا أن قيمة الإنسان في تقواه وعمله، لا في نسبه أو ثروته أو جنسيته.

إن السؤال الأهم ليس: ماذا كان الرسول ﷺ سيقول لو عاد؟ بل: ماذا سيجد من سنته حيًّا في أخلاقنا لو رآنا اليوم؟

لقد ترك لنا القرآن وسنته واضحين، والمشكلة ليست أننا لا نعرف ما كان يريده منا، بل إننا نعرف كثيرًا منه ولا نطبقه.

المصادر والمراجع: مكتبة قطر الوطنية، المصادر التاريخية؛ اليونسكو، الثقافة والتراث والتعليم.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟