الفصل الأول: الازدهار الاقتصادي والتنمية الشاملة في مجتمعات الخليج
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة
1. بين الازدهار والاحتكار
تُعدّ الحركة الاقتصادية في أي مجتمع المحرّك الأساس لازدهاره أو تراجعه، غير أن هذا الازدهار يفقد معناه حين يتركّز في يد فئة محدودة، فيتحول إلى أداة هيمنة بدل أن يكون وسيلة تنمية. في مجتمعات الخليج العربي، تشكّلت عبر العقود الأخيرة طبقة إقطاعية حديثة أخذت تكبر حتى باتت تُهدّد شمولية التنمية، وتحدّ من فرص المشاركة الاقتصادية للمجتمع بأكمله.
لقد نشأت هذه الفئة من رحم الطفرة النفطية، لكنها ما لبثت أن اتجهت نحو السيطرة على مصادر الثروة غير النفطية، خاصة العقار والأراضي. فبدل أن تُترجم الطفرة إلى تنويع اقتصادي وصناعي، تحوّلت إلى تكديسٍ للثروة في مجالات خاملة لا تُنتج قيمة مضافة حقيقية. ومع مرور الوقت، ظهرت ظاهرة “الأثرياء الفاحشين” (Super Rich) الذين باتوا يملكون القدرة على توجيه السياسات العامة بما يخدم مصالحهم الضيقة.
2. الاقتصاد العقاري: من محرك للنمو إلى عبء اقتصادي
من أبرز ملامح هذه المرحلة هيمنة الاستثمار العقاري على الاقتصاد الخليجي. فمدينة مثل دبي لم تعد مركزًا تجاريًا عالميًا بالمعنى القديم، بل أصبحت منظومة من المدن العقارية التي تجاوز عددها العشرين، يصب معظم ريعها في خزينة الحكومة، التي تملك غالبية الأراضي خارج المدينة القديمة. إلى جانب ذلك، يقف صف طويل من الإقطاعيين والمطورين العقاريين الذين تضخّمت ثرواتهم إلى مستويات عالمية.
أما المواطن الصغير، الذي كان في الماضي يستطيع امتلاك ورشة أو محل أو قطعة أرض، فقد أُقصي تدريجيًا من هذا المجال، ولم يبقَ له سوى بيت هنا أو هناك، يواجه به موجات الغلاء وتضخم الإيجارات.
هذه التحولات لم تكن صدفة؛ بل تعود إلى مرحلة ما بعد الاستعمار، حين أوصى البريطانيون القبائل الحاكمة بالسيطرة على الأراضي وجعلها مصدر الثروة البديل بعد النفط، إذ إنها لا تحتاج إلى علمٍ أو خبرة، بل إلى نفوذٍ وسلطة فقط. فطالما أن البنوك والبلديات وأنظمة التخطيط العمراني تصبّ في يد ملاك الأراضي، فإن دورة الاقتصاد ستدور حولهم.
3. الاقتصاد الوهمي والمباني الخرسانيّة
وإذا ألقينا نظرة فاحصة على الواقع الاقتصادي اليوم، نجد أن معظم الأنشطة غير النفطية تقوم على العقار والمال، لا على الإنتاج والصناعة. الأبراج الشاهقة التي تملأ الأفق قد تبدو مظهرًا من مظاهر الازدهار، لكنها في جوهرها هياكل خرسانية خاوية، لا تخلق وظائف مستدامة ولا تحرك المرافق الاقتصادية الحيوية. بل تحولت إلى عبء على أصحابها والبنوك التي تموّلها، وأصبحت رمزًا لاقتصادٍ يعتمد على الشكل لا المضمون.
4. الإقطاع الجديد والأنانية الاقتصادية
في التحليل الاجتماعي، تتشابه المجتمعات الإنسانية مع الطبيعة في سلوكها الفطري. فالأسد، مثلًا، يصطاد من أجل الجوع، فإذا شبع توقّف، بينما الضبع يصطاد بدافع القتل والغريزة لا الحاجة. وهكذا حال بعض الإقطاعيين الجدد: يبنون ويشترون ويكدسون لا بدافع الاستثمار والبناء، بل بدافع السيطرة والتملك.
هذه الأنانية الاقتصادية أدت إلى فجوة طبقية عميقة بين من يملكون كل شيء ومن لا يملكون سوى قوت يومهم. فالثروة المركّزة في يد قلة تحرم المجتمع من الحيوية وتمنع تطور الطبقة الوسطى، التي تشكّل عادة العمود الفقري لأي اقتصاد متوازن ومستدام.
5. الخطر الصامت والتحالفات الخفية
إن الإقطاعيين الكبار والتجار الكبار يمثلون خطرًا صامتًا على توازن المجتمعات الخليجية. فهم يشكلون ما يشبه "الدولة داخل الدولة"، ويقيمون تحالفات اقتصادية وثقافية مع قوى اليمين في الغرب، تُعيد تشكيل الهوية الاقتصادية والسياسية للمنطقة بعيدًا عن جذورها العربية والإسلامية.
وفي حال استمرار هذا الاتجاه، قد تتجه بعض الكيانات إلى الانفصال الاجتماعي والثقافي عن محيطها، كما حدث في تجربة سنغافورة وماليزيا، حين قاد كبار التجار وملاك الأراضي مسارًا منفصلًا عن تطلعات الشعب، فاستقلّت سنغافورة تحت حماية الغرب واتجهت شرقًا نحو نمط حياة مغاير تمامًا لجوارها.
6. نحو تنمية أكثر عدالة وشمولًا
إن التنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد الأبراج أو حجم الاستثمارات العقارية، بل بمدى مشاركة المجتمع في صنع الثروة وتوزيعها. الازدهار الاقتصادي الشامل هو الذي يُمكّن المواطن من الإنتاج والعمل، ويخلق بيئة منافسة عادلة، ويمنع تركز الثروة في يد فئة واحدة.
ولعلّ الخطوة الأولى نحو ذلك هي إعادة النظر في سياسات الأراضي والاحتكار العقاري، وتشجيع الأنشطة الإنتاجية والصناعات التحويلية، وربط التعليم بسوق العمل الحقيقي، لا بسوق المضاربة. فالمستقبل لن يُبنى بالإسمنت فقط، بل بالعقول والإبداع والعدالة الاقتصادية.
المصادر والمراجع: منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، المنشآت الصغيرة والمشتريات الحكومية؛ البنك الدولي، المستجدات الاقتصادية الخليجية 2025
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث و الصياغه
Comments
Post a Comment